الخنجر والحلبوسي.. وفاق أم شقاق!
بقلم: هارون محمد
أفضل خطوة أقدم عليها الشيخ خميس الخنجر، زعيم تحالف (عزم)، أنه لم يرشح نفسه، في الانتخابات النيابية الأخيرة، وكان فوزه فيها مؤكداً وبنسبة عالية، واكتفى برعاية تحالفه الذي بات رقماً يُلفت الأنظار إليه في الساحة السياسية،(35) نائباً، والعدد في تزايد، اعتقاداً منه، وهو على حق، أن النيابة والتزاماتها، من دوام وجلسات واجتماعات، قد تأخذ وقته بالكامل، وهو المعروف بالتنظيم والانضباط، وربما تؤجل تنفيذ ما يفكر به من مشاريع ومهمات، لو تحقق نصفها، لكان انجازاً يُسجل له، يخدم به أهله وبيئته، خصوصاً وأنه رجل مجتهد في عمله، وصادق في علاقاته، وهو أيضاً شجاع، لا يُخفي هويته القومية، ولا يُنكر سنيته الوطنية، ويختلف عن السياسيين السُــنّة الآخرين، ممن يحملون اتجاهات دينية، ونزعات مناطقية، والتصاقات عشائرية، يضاف إلى ذلك كله، أنه (مليان) مالياً، ولم يُعرف عنه، اهتمامات بالعقود والصفقات (المحلية)، ونشاطاته التجارية أكثرها في الدول العربية والخليجية وتركيا وأوروبا، وهذا ما حصنّه وأبعده عن الشبهات، وشخصياً أكبرت علو منزلته، وسمو خصاله، عندما سمعت أنه طرد سيدة من مكتبه بخشونة، وهو المشهور بعفة اللسان وهدوء الطباع، لأنها عرضت عليه مبلغاً خرافياً، مقابل ترشيحها لشغل منصب وزيرة التربية في حكومة عادل عبدالمهدي، كان مخصصاً لكتلته، والمفارقة أنها صارت وزيرة، بثلث المبلغ الذي لوحت به، بعد أن التزمها (الصغار) في مكتب رئيس الوزراء السابق، ومجلس النواب المنحل، وصارت فضيحة، انكشفت فصولها، وبانت عورتها.
ولعلها من الحسنات، في الميدان السياسي الراهن، أن تبرز في انتخابات العاشر من تشرين الأول الماضي، كتلتان سنيتان، ضمت أغلب المشاركين في العملية السياسية، بعيوبها وملابساتها، بعد سنوات من التشتت السني، وما رافقه من عمليات الإقصاء المنظم، والتهميش المتعمد، والاجتثاث المُدبر، قادها أقطاب الأحزاب والمليشيات الشيعية، الذين احتكروا السلطة واستحوذوا على المال العام، واستقطبوا إلى جانبهم، نماذج سنية بائسة، رموا إليها الفتات، وقبلت خانعة.
وصحيح أن كتلتي (تقدم) ونظيرتها (عزم) ضمت نواباً، فيهم الصالح والطالح، وبعضهم، فاسد ومرتش ومصلحي، وعدد منهم ميال إلى الخير والخدمة العامة، ولكن الصحيح أيضاً، أن السنوات الأربع المقبلة، ستضع نواب الكتلتين على المحك، وتكشف حقيقتهم، من هو الصادق منهم، مع نفسه وناخبيه، ومن هو الكاذب في ادعاءاته ومواقفه، وثمة توقعات سياسية وميدانية تشير إلى أن الجمهور السني سيغادر استنكافه من الانخراط في العملية السياسية، وينشط في العمل على كشف أمراضها ومعالجة عيوبها، ولعب دور ضاغط، على النواب (التقدميين) و(العزميين) متابعة وحساباً، في المرحلة المقبلة، ساعياً الى رسم صورة جديدة للمشهد السني السياسي، يكون أفضل بالتأكيد من الأعوام السابقة، من ناحية دفع وجوه جديدة إليه، لتحجيم المزاودين والفاسدين، وإسقاط المتخاذلين، والإصرار على نيل الحقوق السنية المشروعة، في الحرية والعدل والمساواة، وكما فعل الجمهور الشيعي، في الجنوب والفرات الاوسط، وألحق هزيمة مروعة بالسلطويين والمتنفذين وأصحاب السلاح الغادر، برغم مشاركته المحدودة، في الانتخابات الأخيرة، فأن الجمهور السني، المُحمّل بالآلام والمعاناة والتمييز، منذ الاحتلال الأمريكي في نيسان 2003، مروراً بأزمان إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبدالمهدي، وصولاً إلى عهد الكاظمي، بات اليوم، بفعل ما تعرض له من إيذاء وأضرار واستهداف، أكثر معرفة بمن يقف معه حقاً، وليس ادعاء، وصارت له خبرة ودراية في الكشف والتشخيص، ظهرت ملامحها الأولى، في الانتخابات الأخيرة، عندما تهاوت أسماء مخضرمة، وتراجعت أخرى مستهلكة، في بغداد والموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك.
وبهذا الصدد، فما دام تحالفا تقدم وعزم قد تقاربا في عدد المقاعد النيابية، وباتا على حافة الكتلة الأكبر، إذا اتفقا، فأن المسؤولية الأخلاقية، وهي جزء أساس من المسؤولية الوطنية، تحتم عليهما، التفاهم والتحرك، لبلورة موقف موحد، بمعزل عن الولاءات الشخصية، والانتماءات المناطقية والعشائرية، للاتفاق على تقديم مرشح واحد، لرئاسة البرلمان الجديد، والتمسك به أمام الكتلة الشيعية التي ستتولى تسمية رئيس الحكومة المقبلة، فمثل هذا الإجراء، يُعزز استقلالية القرار السني، ويرسخ مكانته السياسية، في عدم الخضوع لضغوط أو رغبات هذه الجهة الشيعية أو تلك، كما كان يحدث سابقاً.
ونعرف سلفاً، أن محمد الحلبوسي، يتمنى أن يعود إلى رئاسة مجلس النواب من جديد، برغم اخفاقاته العديدة، في دورته الأولى، ولكن عليه هذه المرة، أن يرتفع في وعيه، لمخاطر انفراده في ترشيح نفسه، وتجنب الاعتماد فقط على نواب كتلته، لأنه حتى لو نجح في سعيه، وعاد إلى سابق موقعه، فأن نجاحه هذا يُعد نسبياً، ويكون في النهاية هشاَ، وتترتب عليه نتائج وخيمة على مستقبله، لأنه يمثل انشقاقاً، وليس اتفاقاً، والانشقاقات دائماً، حالة شاذة ومؤقتة، وعمرها قصير، لذلك ننصحه صدقاً، بغض النظر عن الخلافات الفكرية والسياسية معه، أن يكبر على الصغائر، ويتجاوز الأهواء والفردية والمزاجية، ويكون جزءاً من إجماع سني رصين ومسؤول، يقوم على التعاون المشترك مع نظرائه الآخرين خارج (تقدم)، والأمر نفسه ينطبق على غيره من النواب الســنّة، إذا جاء رئيساً للبرلمان.
























