تحت المجهر
بقلم: موفّق الخطاب
مع كلِّ مرةٍ تمرّ فيها ذكرى احتلال العراق، يستفيق العالم على وقع حدثٍ غيّر حتى مجرى الجغرافية و التاريخ، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط.
وانقسم العالم إلى فريقين من تلك الواقعة المريرة، سواءً في الجانب الشعبي العراقي أو العربي، بل حتى العالمي.
ولكلّ فريقٍ مبرراتُه ومسوغاتُه في التأييد، وإشهار الفرح، وإيقاد الشموع، أو الشجب والاستنكار، والحزن وذرف الدموع!
لكن دعونا بدءً، وكما عوّدناكم نشاهد ما “تحت المجهر” لكشف خبايا أحوال الفريقين .
ولنبدأ بتشخيص أحوال من ركن إلى (أمريكا وحلفائها)، وسوّغ لهم وأيّدهم، ووصفهم بقوات التحرير.
فهل تغيّرت، بعد ما يزيد عن عقدين من الزمان، أحوال الشعب العراقي وأمنه الداخلي وسيادته كدولةٍ مدنية وارتقت كباقي الدول أم تغيرت أحوالهم؟ فكل الوقائع والمؤشرات تشير الى تغير احوال من كانوا يسمون انفسهم قادة المعارضة وبطانتهم ومن يؤدهم فأصبحوا من أثرياء العالم لتسلطهم على مقدرات العراق.
وفي الطرف الآخر فقد اجتاح الشعب العراقي الإرهاب وازدادت لديهم معدلات الجريمة، وتضاعفت عليهم الضرائب والرسوم بلا مقابل من اي خدمات ، وتضخّمت بالعجز ميزانياتهم، وتجاوزوا خط الفقر وازدياد معدلات البطالة وتراجع الانتاج المحلي والركون للاستيراد حتى المزروعات، وأنّ كلَّ ما وعدتهم به أمريكا من تحويل العراق إلى إنموذجٍ يُحتذى به في “الشرق الأوسط الجديد” كله محض كذب و قد ذهب أدراج الرياح؟
فما هو قول وتبرير من يعتبر أنّ ذلك اليوم، التاسع من نيسان/أبريل، هو ذكرى بهيجة وسعيدة تستحق بنظرهم أن تكون تاريخًا مفصليًّا في العراق، ويتخذونها يومَ عيد؟
ومن البديهي أن يحتفل الخونة والعملاء حين مُكّنوهم من رقبة العراق ونهب خيراته، وهم يدينون لبوش الابن وبلير بالعرفان بذلك .
ولننتقل بكم، سادتي، إلى الفريق الثاني، الذي يكتنفه دومًا حزنٌ عميقٌ مع تذكّر ذلك اليوم الأسود الذي غيّب بلدًا عظيمًا كان اسمه العراق…
ففي مقارنةٍ بسيطة، يسوق هذا الفريق ما كان عليه العراق من تماسكه وضبط حدوده و وحدة نسيجه، وكونه عصيًّا على العملاء والخونة والأعداء، ولا يعرف للطائفية طريقًا، ولا للفاسدين ولا للمخدرات والمافيات ملجئً ، على الرغم من الحصار والمقاطعة والعزلة الدولية، ووقوعه تحت طائلة قرارات مجلس الأمن الجائرة، مقارنة مع ما وصل إليه البلد اليوم من تمزّق، وتفشٍّ للجرائم والمخدرات والسلاح المنفلت والتفكك الاسري والمعدلات المرعبة من الجرائم والانتحار ، وتفريخ عشرات الأحزاب والمليشيات والفصائل التي تدين بالولاء لخارج الحدود وقد جثمت على مقدرات البلاد ، وحجم الفساد الذي أكل الأخضر واليابس، والفوضى والبطالة وغياب القانون، وعودة “الدگات” والفصل العشائري، وكأنّنا في غابة وحوش، بعد أن تقوقعت ما يسمى الدولة و عجزت عن تطبيق القانون…
# فبعد مضيِّ 22 سنة من السنين العجاف، وهي ليست بالمدة القليلة في حياة الأجيال، فقد فشل هذا النظام الهجين الذي سوّقته أمريكا وحلفاؤها من انتشال العراق وجعله دولة ذات سيادة تحترم شعبها و تتفانى في خدمته، حيث عجزوا عن بناء دولة المؤسسات، كما عجزوا عن الانفكاك من فكي الغول الإيراني، وبقوا تحت وصاية “الولي الفقيه”، وهي لبّ المشكلة اليوم بعد تأزّم العلاقة الأمريكية–الإيرانية، وربما سيدفع الشعب العراقي اليوم فاتورة ضخمة بسبب تبعية من تسلط على رقابهم لمولاة ايران.
لذا أرى أنّه من المعيب حقًّا على الفريق الأول المطبل وراء الخونة أن يحتفلوا باحتلال وسلب سيادة بلدهم وإذلال شعبهم، إن كانوا حقًّا ينتمون لذلك الشعب !
بأيِّ وجهٍ صلفٍ يحتفل البعض، وقد مُزِّق العراق تمزيقًا بين شيعة وسنّة وكرد وأقليات، وغُيِّب الصوت الوطني، وفُشل ذريع في إعادة البُنى التحتية من منظومات الماء والكهرباء والصرف الصحي، وتوقّفت الصناعة، وتراجعت الزراعة وتدهور التعليم…
عقدين من الزمان ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة وقد وهُدرت مئآت المليارات من الدولارات بين عقودٍ وهمية وفساد لتطوير قطاع الكهرباء، ومثلها لاستيراد الغاز والكهرباء والمنتوجات النفطية من جارة السوء، حيث كان بالإمكان الاكتفاء الذاتي بتشييد العديد من المشاريع، بدلًا من حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط، فضلًا عن التعمد بعدم تشييد العديد من المصافي واعادة المصانع المدمرة.
وقد طفرت في عهد هذه الحكومات أسعار البترول لمستوياتٍ قياسية، لكن الوفرة ذهبت في حسابات “ولي نعمتهم” وفي حساباتهم الشخصية!
#– ومن مخرجات هذه الحكومات المتلبسة بالفساد والفشل ، ومن يصفق لهم، الذين ما زالوا يحتفلون بهذا اليوم ، أنّه في عهدهم تعاظمت الطائفية والعنصرية، وغابت الدولة المدنية، وحلّت بدلها العمائم و الأحزاب الدينية، فأسّسوا للجهل والتعصب، ثم التناحر، والقتل، والاعتقال على الهوية، وسلخوا العراق من محيطه، وسلبوه الهوية العربية!
#- لقد أضاعوا العراق بانقسامهم: ففريقٌ ذليلٌ ذيل لإيران، وفريقٌ عميلٌ لأمريكا والكيان، وآخرُ سمسارٌ لحكوماتٍ ومخابراتٍ شرقيةٍ وغربية وحتى خدم للشيطان.
فإن كانت تلك هي إنجازاتهم! فعارٌ عليهم الرقص على جراحات شعبهم فرحين…
#- وأقول للفريق الذي يُجدِّد الحزن في كلّ عام:
من حقّكم أن تحزنوا يوم احتلال العراق، وفي عامه الأول، لكن ليس من حقّكم أن تُجدِّدوا الحزن عليه في كلّ عام.
#-لا يكمن الحل اليوم للمعضلة العراقية في الجلوس بعيدًا عن الساحة العراقية، وعقد ندوات ومؤتمرات، وتشكيل تحالفات وتجمّعات، وإعادة اجترار أهدافٍ حزبية عافها الزمن ، ولم تعد تتماشى مع النكبات والمحن.
فالحروب سجال، ومصالح، وتوافقات؛ لذا يجب إعادة النظر في كثيرٍ من المواقف والسياسات المحلية والإقليمية والدولية، والانفتاح، وعدم الانغلاق على أفكارٍ ضيقةٍ حزبية أو عنصرية أو طائفية، وكلها كانت، لسببٍ أو لآخر، عوامل هدمٍ وتناحرٍ أوصلت العراق لما هو عليه الآن!
#- مخطئ من يعوّل على أمريكا والغرب بالوقوف إلى صف الشعب العراقي وتخليصه من هذا الضياع؛ فأمريكا هي أمّ الخبائث، وهي من خططت لإيصال العراق إلى هذا الحال.
وصدقوني أنها قد أمنت مصالحها ، ولن تجد أفضل من هؤلاء الشرذمة لخدمتها وتدمير العراق، ولا عليكم بظاهر القول من العداء والتهويل.
#- وكذلك متهاونٌ بحقّ بلده من يُجدِّد فيه الحزن والتنكيد دون عملٍ دؤوبٍ لانتشاله بفكرٍ ثاقبٍ، وانفتاحٍ، ورأيٍ سديد.

























