بقلم: ذكرى البياتي
بغدادُ يا أمَّ الحضارة والأمجاد، يا صانعةَ الرجال، ويا حكايةَ التاريخ التي لا تنتهي فصولها، يا مهدَ الحضارة وكعبةَ المجد والخلود، يا مدينةً نسجت الشمسُ من خيوطها تاجًا، وكتبت على صفحات الزمن اسمًا لا تمحوه الأيام ولا تطويه السنون.
تبقين شامخةً رغم أنف كل حاقد، وعصيةً على الانكسار مهما اشتدّت عليكِ المحن، فأنتِ التي تعلّمت من وجع السنين كيف تنهض، ومن قسوة الأيام كيف تصنع الأمل، ومن رماد الحروب كيف تستعيدين ألقكِ وتفتحين نوافذكِ للشمس من جديد.
يا بغداد، يا مدينةَ الرشيد، ويا موطنَ العلماء والأدباء والشعراء، يا من حملتِ مشاعل المعرفة حين كان العالم يبحث عن نورها، واحتضنتِ بين ضفاف دجلة حكاياتٍ من العلم والأدب والفكر، فكنتِ منارةً تهتدي بها العقول، وملاذًا تتفيّأ في ظلاله أرواح المحبين.
كم حاولت العواصف أن تنال من كبريائكِ، وكم مرّت على أبوابكِ سنواتٌ مثقلةٌ بالحزن، لكنكِ بقيتِ أكبر من جراحكِ، وأعمق من أحزانكِ، وأقوى من كل يدٍ أرادت أن تنتزع منكِ هويتكِ أو تطفئ في عينيكِ بريق الحياة.
يا بغداد، إن في ترابكِ ذاكرةَ وطن، وفي مائكِ حكاياتِ أجيال، وفي أزقتكِ أنفاسَ الذين أحبّوكِ وعاشوا على أمل أن يروكِ يومًا كما تستحقين؛ آمنةً مطمئنةً، مزدهرةً، تليق بتاريخكِ العريق ومكانتكِ بين الأمم.
ستبقين في قلوب أبنائكِ وطنًا لا يُختصر بحدود، وحبًّا لا تغيّره المسافات، وانتماءً لا تهزّه العواصف. وسيبقى اسمكِ محفورًا في وجدان التاريخ، ما دام فينا قلبٌ ينبض بالعروبة، وروحٌ تؤمن بأن الأوطان العظيمة قد تتعب، لكنها لا تموت.
سلامٌ عليكِ يا بغداد، يا أمَّ الحضارة والأمجاد، وسلامٌ على دجلة الذي يروي حكاياتكِ، وعلى أبنائكِ الذين يحملون حبكِ في أرواحهم، وعلى فجرٍ جديدٍ نرجو من الله أن يشرق عليكِ بالسلام والأمان والازدهار.
حفظكِ الله يا بغداد، وأعاد إليكِ أيام العزّ والطمأنينة، وجعل مستقبلكِ أجمل من ماضيكِ، وأدام عليكِ نعمة الأمن والسلام، لتبقي شامخةً عزيزةً، كما عهدناكِ، وكما نحبّكِ دائمًا…



























