بقلم: ذكرى البياتي
ثمة أشياء ثمينة لا نضعها في خزائن، ولا نخبئها في أماكن لا تطالها الأيدي، بل نودعها في مكان أكثر أمانًا من كل الأمكنة… في الجهة الخفية من الذاكرة، حيث لا يصل إليها عبث الزمن، ولا تستطيع الأيام أن تنتزعها منا بسهولة.
عادةً ما يكون في ذاكرة التفاصيل القديمة مخبأٌ سري، نحتفظ فيه بكل ما اعتززنا به يومًا، بكل ما منحناه من دفء في الخفاء، بعيدًا عن أعين الآخرين وأسئلتهم. نضع فيه الأشخاص الذين تركوا في أرواحنا أثرًا لا يشبه سواه، والأحاديث التي ما زالت عالقة بين سطور الذاكرة، والضحكات التي لم نعد نسمعها إلا من بعيد، والأماكن التي انتهت أيامها وبقيت رائحتها في القلب.
نحن لا نحتفظ بتلك الأشياء لأننا عاجزون عن النسيان، بل لأن بعضها كان أجمل من أن يُنسى، وأصدق من أن يُمحى لمجرد أن الزمن مضى.
نحاول أن نرعاها في داخلنا دون أن نتركها تبلى، نتفقدها بين حين وآخر، كما يتفقد المرء شيئًا عزيزًا يخشى عليه من غبار السنين. ونحرص ألا تفلت من أيدينا في غفلة من عراك الحياة، لأننا نعرف أن بعض الأشياء، إن ضاعت مرة، لا تعود بالصورة ذاتها مهما حاولنا البحث عنها.
وستظل تلك الأشياء هي الأقرب إلى القلب… وربما كانت هي القلب نفسه.
يكفي أن يمر طيفها ذات مساء، أو أن يعيدنا عطرٌ عابر إلى مكان قديم، أو أن تصادفنا كلمة تشبه كلمة قيلت ذات يوم، حتى تشتعل الذاكرة من جديد، ويأخذنا الحنين إليها قسرًا، فنكتشف أن ما ظنناه خمد منذ سنوات لم يكن قد انطفأ، بل كان ينتظر لحظة واحدة ليعلن عن وجوده.
ومن الغريب أن الحب الذي منحناه بصدق، حتى وإن انتهى، يبقى في الذاكرة أنبل من كثير من العلاقات التي جاءت بعده. ليس لأن الماضي كان كاملًا، بل لأن مشاعرنا فيه كانت حقيقية. وما كان صادقًا فينا لا يصبح كاذبًا لمجرد أن نهايته لم تكن كما تمنينا.
وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نكره بعض الأشياء التي أوجعتنا؛ لأنها، رغم وجعها، كانت يومًا مصدرًا لفرح حقيقي، ولحظات جعلتنا نشعر أننا نعيش بكامل أرواحنا.
قد تكون تلك الأشياء غير ملموسة على الإطلاق… لا صورة لها، ولا عنوان، ولا مكان يمكننا العودة إليه. لكنها مع ذلك تستطيع أن تسكننا أكثر من كل ما نلمسه بأيدينا. وحين تختفي، لا نسمع صوت رحيلها، ولا نرى لها أثرًا على الطريق؛ تختفي بهدوء، تاركةً خلفها فراغًا لا يشبه الفراغ، وصمتًا تعجز الكلمات عن ملئه.
فالأشياء الثمينة لا ترحل دائمًا بضجيج… بعضها ينسحب بلطف، ويتركنا نكتشف بعد فوات الأوان مقدار المساحة التي كان يشغلها في أرواحنا.
نحن لا نموت بالفراق وحده، وإنما نتعب من التفكير فيه، من الأسئلة التي لا تجد إجابة، ومن الاحتمالات التي نعيد صياغتها في رؤوسنا، ومن ذلك السؤال الذي يظل معلقًا: ماذا لو بقي كل شيء كما كان؟
ولا نصدأ بالصمت، فالصمت أحيانًا يكون ملاذًا ونجاة، لكننا نتعب من الأشياء التي وهبناها بصدق ثم وجدناها تتسرب من بين أيدينا كالماء، أو تختفي أمام أعيننا كالسراب.
ومع ذلك… يبقى في القلب شيء لا يتعلم الرحيل بسهولة.
شيءٌ يظل واقفًا عند العتبة، لا لأنه لا يعرف أن الانتظار موجع، بل لأنه لا يعرف كيف يغلق الباب تمامًا.
وبين كل ذلك، أظل صامدًا بانتظارك في كل مرة، لا انتظارًا يشبه الضعف، ولا تعلقًا بما مضى، وإنما لأن بعض الوجوه حين تغيب لا تغادرنا تمامًا، وبعض الحكايات حين تنتهي تترك فينا فصلًا مفتوحًا لا نعرف كيف نطويه.
أما انسحابك… فيبدو أنه صار قانون خريفك الشاق؛ كلما اقتربت من الدفء، عدت إلى المسافة، وكلما أوشكت الحكاية أن تستعيد نبضها، أخذتك خطاك بعيدًا.
وربما كان ذلك هو قدري معك…
أن أضعك في ذلك المخبأ السري من الذاكرة، حيث لا أبحث عنك كل يوم، لكنني لا أستطيع أيضًا أن أنكر أنك ما زلت هناك.
في مكان لا تطاله الأيام…
ولا يملكه النسيان.
مكانٌ أودعتك فيه ذات يوم، ثم مضيت…
وتركت للحنين مهمة أن يفتح الصندوق كلما اشتقت إليك….


























