تحت المجهر
بقلم: موفق الخطاب
«تُنسب إلى الكاتب والفيلسوف الروسي ليو تولستوي عبارة تقول:
“إذا شعرتَ بالألم فأنت حي، ولكن إذا شعرتَ بألم الآخرين فأنت إنسان>>
* ربما لا توجد عبارة تختصر مأساة الإنسان المعاصر بقدر ما تختصرها تلك الحكمة. فالإحساس بالألم دليل على أننا ما زلنا أحياء، أما الإحساس بألم الآخرين فهو الدليل على أننا لم نفقد إنسانيتنا بعد.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً اليوم هو: كم تبقى من إنسانيتنا؟
* نحن نعيش في عصر بلغ فيه الإنسان من العلم والتكنولوجيا ما لم تحلم به البشرية في تاريخها كله؛ يستطيع أن يصل إلى الفضاء، وأن يتواصل مع إنسان اخر في أقصى الأرض خلال ثوانٍ، وأن يزرع أعضاءً وينقذ أرواحاً ويكتشف أسراراً مذهلة في الكون. ومع ذلك، ما زال عاجزاً عن أن يتعلم أبسط دروس الإنسانية: أن حياة الإنسان الآخر تساوي حياته هو.
* لقد أصبح الموت رقماً، والدمار خبراً عاجلاً، والطفل القتيل صورة عابرة على شاشة التلفاز و الهاتف، والمدينة المهدمة مشهداً يتكرر حتى يفقد قدرته على الصدمة.
والأخطر من ذلك أن الإنسان لم يعد يكتفي بقتل الإنسان، بل يبحث له عن مبرر يهرب فيه من المسؤولية.
فمرة يقع الاجرام باسم القومية و العرق، واخرى باسم الدين و الطائفة، ومرة باسم بسط الأمن ومقارعة الارهاب، ومرة باسم المصالح الوطنية والحزبية. وكأن اختلاف الإنسان مع أخيه في الأرض أو اللغة أو المذهب أو العقيدة يمنحه حقاً إلهياً في إلغاء وجوده.
* وهنا تكمن المأساة الكبرى: حين تتحول الهوية من وسيلة للتعارف إلى أداة للكراهية، وحين يتحول الدين من دعوة إلى الرحمة والتعايش إلى راية للخصومة وفرض الاردادات، وحين يتحول الوطن من بيت يجمع أبناءه إلى ذريعة لإقصاء بعضهم اذا شعر الحاكم ان كرسيه قد تهتز ، فإن الإنسان لا يعود يحارب من أجل فكرة، بل يصبح وقوداً لفكرة يمتلكها الآخرون.
* لقد أثبت التاريخ أن السلطة و التيجان والمال وفرض سطوة رجال الدين والمرجع والحاكم بأمر الله والرهبان يشكلون حيزا كبيرا في الصراعات البشرية.
لكن السلطة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى استبداد، والمال حين يتحول إلى غاية مطلقة يصبح جشعاً، والسياسة حين تتجرد من الضمير تصبح لعبة مصالح، والدين حين يتجرد من الرحمة يتحول الى سلعة يتاجر بها بعض رجال الدين، ليدفع ثمن كل ذلك أولئك الغلابه الذين لا يملكون قرار الحرب والسلم ولا يملكون حتى القدرة على حماية أطفالهم.
* ولعل أكثر ما يكشف وحشية عصرنا هو ما جرى و يجري في غزة، حيث تحولت حياة المدنيين إلى مأساة ممتدة، وأصبح الموت والتهجير والدمار جزءاً من المشهد اليومي.
وفي اليمن و لبنان وليبيا والسودان ، يدفع المدنيون أيضاً ثمناً باهظاً لصراعات تتجاوز في كثير من الأحيان حدود إرادتهم وقدرتهم على التحكم بمصيرهم.
وفي العراق، الذي عرف خلال العقود الماضية الحروب والاحتلال والإرهاب والانقسامات الطائفية، ما زالت الذاكرة تحمل أثماناً فادحة لصراعات استُخدمت فيها الهوية والطائفية والسياسة وقوداً للصراع ولم يعد للانسان هنالك أهمية وسط تعاظم الفساد والتبعية والسلاح المنفلت و ضياع الهوية.
*ثم يأتي الصراع الأخطر والأوسع تأثيراً، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة و إيران من جهة أخرى، وروسيا الاتحادية مع اوكرانيا، بما يحمله من مخاطر تتجاوز حدود الدول المتصارعة إلى العالم بأسره.
وقد شهد عام 2026 تصعيداً عسكرياً واسعاً بين الولايات المتحدة وإيران، مع امتداد آثاره إلى عدد من دول المنطقة وهدف الاطراف جميعا ليس حبا بالانسانية والارتقاء والرفاهية و رقيها بل فرض ارادات ومصالح اقتصادية ونهب الثروات بطريقة دموية ، الأمر الذي أعاد شبح الحرب الإقليمية الشاملة إلى الواجهة وقد تتطور الى عالمية..
* وفي كل هذه المشاهد، يظل السؤال نفسه معلقاً في فضاء الإنسانية:
أين الإنسان؟
أين موقع الطفل الذي لا يعرف شيئاً عن الجغرافيا السياسية ولا عن الصواريخ ولا عن الاتفاقيات الدولية؟
أين دور الأم التي لا تريد من العالم سوى أن يعود ابنها إليها سالما يحمل معه رزق يومه بلا مذلة ولا يخاف الطريق النلغم بالمفخخات ولا شبح البندقية ؟
أين الأب الذي يبحث عن لقمة عيشه و مكان آمن لعائلته؟
وأين الشيخ الكبير الذي لا يفهم لماذا أصبحت سنوات عمره الأخيرة مرتبطة بصوت الانفجارات والمسيرات والصواريخ البالستية؟
* هؤلاء لا تعنيهم كثيراً خرائط النفوذ، ولا حسابات القوى الكبرى، ولا صراع المحاور. إنهم يريدون شيئاً بسيطاً جداً:
أن يعيشوا بأمان عيشة سوية .
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام ازدواجية مؤلمة في ضمير العالم!
حين يموت إنسان من بني جلدتنا، نرى فيه أباً وأماً وطفولة وأحلاماً وذكريات. وحين يموت إنسان من الطرف الآخر، يتحول أحياناً إلى رقم أو «خسارة جانبية» أو خبر لا يستحق الذكر والترحم اسوة بالبقية.
وهذه هي أخطر مراحل سقوط الإنسان: أن يصبح الألم قابلاً للتجزئة حسب الهوية.
*فالإنسانية الحقيقية لا تختبر عندما نتعاطف مع من يشبهوننا، وإنما عندما نستطيع أن نشعر بألم من يختلف معنا.
* هذه هي الإنسانية التي أرادها تولستوي.
لقد ركض الإنسان خلف اوهام ، ثم صدّق أنها حقائق مقدسة. فقد صنع قدسية للعرق، و للقومية والحزبية، و اوجد قدسية للرهبان ومن على شاكلتهم ، ثم بدأ يقتل أخاه دفاعاً عن تلك القدسية والرموز الوهمية والمسمبات الشيطانية.
لكن الموت لا يسأل القتيل عن مذهبه.
والقنبلة لا تسأل الطفل عن حزبه.
والجوع لا يميز بين القوميات والاديان..
الحرب، في حقيقتها، لا تنتصر فيها الإنسانية. حتى حين يعلن طرفٌ أنه انتصر، يبقى هناك بيت مهدّم، وأم ثكلى، وطفل فقد أباه، ومدينة تحتاج سنوات كي تستعيد شيئاً من حياتها.
*ولذلك فإن أخطر ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الأسلحة، بل مزيداً من الضمير.
نحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول: أنا أختلف معك، لكنني لا أكرهك.
أعارضك، لكنني لا أريد قتلك.
أرفض سياستك، لكنني لا أرفض حقك في الحياة.
أختلف مع دينك أو مذهبك أو قوميتك، لكنني لا أنزع عنك صفة الإنسان.

























