بقلم: ذكرى البياتي
هل ما زلت تبحث عني في وجوه النساء، متمنيًا أن تجد شيئًا مني في إحداهن؟
أم أنك ما زلت تبحث عمّن يساعدك على نسياني، بينما يرتدي شبحي معك، ولا يرحمك؟
يطاردك أحيانًا، ويطاردني أحيانًا أخرى…
في كل مكان، وفي كل وقت، مع كل عطر يمرّ بك، وكل صوت يعيد إلى مسامعك شيئًا من الماضي.
صديقي…
ربما لم نعد كما كنا، وربما فرّقتنا الأيام والسنون، لكنني أؤمن أننا ما زلنا موجودين في ذاكرة بعضنا.
كلما قاومتني، ربما ازددت شوقًا إليّ، وكلما حاولت أن تنساني بأخرى، عادت بك الذاكرة إلى أيامنا، وعدتُ أنا إلى ذاكرتك دون استئذان.
كنتُ يومًا أمتلك عرشًا في ذاكرتك، وربما كان لي مكان في قلبك أيضًا، لكنني قذفت ذلك العرش في قاع نهر الذكريات، ومضيت دون ندم… أو هكذا أقنعت نفسي.
ثم أصحو من جديد على الحنين، وأسأل:
أين أنت الآن؟
مرت سنوات طويلة يا صديقي…
سنوات مختلفة من حياتي، بعضها كان حلوًا، وبعضها مرّ كأن الأيام أرادت أن تختبر قدرتنا على الاحتمال.
وما يجعل حنيني إليك مختلفًا، أنك لم تكن مجرد صديق عابر.
كنت مختلفًا عن جميع أصدقائي.
فهناك أصدقاء يسكنون ذاكرة الروح،
وهناك أصدقاء لا تنساهم العيون،
وهناك من لا يفارقون البال مهما ابتعدت بهم الطرق…
وأنت كنت من هؤلاء جميعًا.
وربما لهذا يوجعني غيابك حتى اليوم.
أتذكر لحظاتنا، ضحكاتنا الصادقة، وأرواحنا الصغيرة التي كانت تحلّق في سماء من البراءة، دون أن تعرف أن الأيام ستخبئ لنا فراقًا بهذا الطول.
كان وجودك في حياتي أكبر من أن أدرك معناه وأنا طفلة.
كان شيئًا يشبه الأمان، يشبه ذلك الجزء الجميل من الطفولة الذي لا نعرف قيمته إلا بعدما يصبح ذكرى.
ثم جاء يوم الفراق…
ذلك اليوم الذي لاحت فيه الحرب في السماء، واضطرتنا الأيام إلى العودة إلى بغداد.
ما زلت أذكر المشهد كأنه لم يغادر ذاكرتي قط؛
صوتك، وبكاءك، وركضك خلف السيارة التي كانت تحملنا بعيدًا عنكم…
كنتَ تصرخ وتبكي، وكنتُ أنا أبكي بصمت طوال الطريق.
لم أكن أعرف يومها أن تلك اللحظات الصغيرة ستكون واحدة من أكثر الذكريات رسوخًا في قلبي.
علمت بعد ذلك أنكم عدتم إلى نينوى، ومضت السنوات…
لكنني كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم، أشعر وكأن الفراق يحدث من جديد.
هل مرّ ذلك اليوم بذاكرتك يومًا؟
هل تذكرت السيارة التي ابتعدت بنا؟
هل تذكرت صوتك وأنت تركض خلفها؟
هل تساءلت يومًا أين أخذتنا الحياة بعد ذلك؟
أما أنا، فما زلت حين أتذكره أشعر بحزن يعتصر القلب، وبفراغ تركه غيابك في روحي.
مرت الأيام، وكبرنا، وتبدلت المدن والوجوه، وتغيرت أشياء كثيرة…
إلا أن بعض الذكريات لا تكبر معنا، بل تبقى في العمر نفسه الذي حدثت فيه.
وأنت واحدة من تلك الذكريات.
قد لا أعرف أين أنت الآن، وكيف أصبحت حياتك، وما الذي فعلته بك السنوات…
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
كلما دق جرس الذكرى في داخلي، كنت حاضرًا.
ولأنك كنت جزءًا من طفولتي، وجزءًا من زمن لا يمكن استعادته، سأظل أذكرك بالدعاء.
فبعض الغائبين لا نبحث عنهم كي يعودوا،
ولا ننتظر منهم شيئًا…
نكتفي بأن نقول في سرّنا:
اللهم أينما كان، احفظه، وأسعد قلبه، وامنحه من الطمأنينة ما يعوّضه عن كل ما فقد.
فربما فرّقتنا الحياة،
وربما أخذتنا الطرق إلى أماكن لم نخترها،
لكن في الصدر قلبًا ما زال ينبض بذكرى قديمة…
ذكرى صديقٍ كان يومًا قريبًا،
ثم أصبح بعيدًا،
وبقيت بيننا مسافة لا تقيسها المدن…
بل تقيسها السنون والحنين.

























