بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
التفاهمات بين بغداد وطهران لم تعد مجرد ملفات دبلوماسية تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل تحولت إلى مواجهة علنية ناعمة بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل العراق. من جهة، تقف طهران بإصرارها العقائدي على إبقاء العراق حلقة وصل رئيسية في “محور المقاومة”، ومن جهة أخرى، تتحرك حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ببرغماتية حذرة لفرض سيادة الدولة وحصر السلاح. هذا التباين يضع المراقبين أمام سؤال جوهري ومصيري: هل يعيش العراق في ظل تحالف إستراتيجي متكافئ، أم أنه يعاني من سيادة منقوصة تُملى شروطها من خارج الحدود؟ والجواب ان زيارة رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى العاصمة العراقية بغداد لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي تفرضه وشائج الجوار، بل جاءت كحدث مفصلي يحمل في طياته دلالات أمنية وسياسية بالغة الحساسية في توقيت إقليمي حرج، وبأجندة تتجاوز الصفة التشريعية لقاليباف، تحركت طهران باتجاه بغداد لترسم ملامح مرحلة جديدة من التنسيق المشترك، واضعةً ملف “دعم المقاومة” في صدارة المشهد كخيار وحيد لمواجهة التحديات المحيطة بالمنطقة.
وتأتي الأسباب الحقيقية لهذه الزيارة عبر شخصية قاليباف ليس بوصفه رئيساً للسلطة التشريعية فحسب، بل بصفته المنسق الإستراتيجي الأعلى الذي يمتلك خيوط الربط بين الحرس الثوري الإيراني والمستويات السياسية التنفيذية وتتلخص الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك في نقاط جوهرية:
- تثبيت مفهوم المقاومة الشاملة: ركز قاليباف بشكل مباشر على أن خيار المقاومة ليس مجرد تحرك عسكري مؤقت، بل هو إستراتيجية ثابتة لحماية سيادة دول المنطقة. وسعى من خلال لقاءاته إلى تعزيز التلاحم بين قوى المقاومة في العراق وطهران لمواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية.
- احتواء أزمة إقليم كردستان وضبط الإيقاع: جاءت الزيارة في ذروة احتقان دبلوماسي وأمني، أعقب التحقيقات الحكومية العراقية في هجوم الطائرات المسيّرة في أربيل ، لياتي توقيت واهدف هذه الزيارة لإعادة ضبط إيقاع التحركات الأمنية، والتأكيد على أن أي تنسيق يجب أن يصب في مصلحة حماية أمن “محور المقاومة” ككل، مع الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية العراقية.
- أمن الطاقة ومضيق هرمز كأوراق قوة: فرضت أزمة الممرات المائية وتصدير النفط نفسها كدافع أساسي؛ حيث جرى التباحث حول كيفية تأمين المصالح الاقتصادية وتأمين الحدود في حال حدوث أي تصعيد يمس حركة الملاحة في مضيق هرمز، باعتبار الأمن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من صمود جبهة المقاومة.
مقاربة أمنية وعقائدية جديدة
من المتوقع أن تسفر هذه اللقاءات المكثفة مع القيادات العراقية عن صياغة تفاهمات واضحة تحدد مسار العلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة:
- مأسسة التنسيق بين أطراف المقاومة: تعميق الروابط السياسية والأمنية بين الفصائل والحكومة بما يضمن عدم تفرد أي طرف بقرارات قد تؤثر على الأمن القومي المشترك، مع الاستمرار في دعم نهج التصدي للمشاريع الأجنبية.
- تطوير المقاربة الأمنية الحدودية: تفعيل لجان التنسيق العسكري المشترك لضمان أمن الحدود، وتشديد المراقبة لمنع أي خروقات قد تُستغل لضرب استقرار البلدين أو استهداف خطوط الإمداد الحيوية.
- التوازن الدبلوماسي العراقي: تضع هذه النتائج حكومة بغداد أمام اختبار حقيقي للموازنة بين حماية سيادتها الوطنية وعلاقاتها الداخلية، وبين الحفاظ على روابطها الإستراتيجية والعقائدية مع الجانب الإيراني في إطار دعم قضايا المنطقة.
النتائج والتوقعات
نعتقد إن زيارة قاليباف إلى العراق هي إعادة تموضع ذكية في مشهد إقليمي معقد، تعكس رغبة طهران في تثبيت ركائز الاستقرار مع جارتها بغداد، وتؤكد أن الأمن المشترك والاقتصاد هما المحركان الأساسيان لرسم مستقبل العلاقات بين البلدين في مواجهة العواصف الإقليمية ، غير ان صرار طهران على تثبيت مبدأ “المقاومة” في العراق يلاقي تعارض بنيوي مباشر مع التوجهات السياسية لحكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، التي ترتكز على إعلاء سيادة الدولة وحصر السلاح ، حيث تبدو إيران مدفوعة بضرورات حماية عمقها الإستراتيجي، بينما تسعى بغداد لتفادي الانجرار إلى صراعات إقليمية دموية ، لذلك تنظر طهران إلى الساحة العراقية بوصفها حلقة الوصل الجغرافية والعسكرية الأهم في “محور المقاومة”، وترى في بقاء هذا المبدأ فاعلاً داخل العراق ضرورة قصوى على اعتبار ان المقاومة كخط دفاع أمامي لنقل المعركة والضغط الأمني بعيداً عن حدودها المباشرة، وجعل الساحة العراقية منصة إسناد لملفات المنطقة في سوريا ولبنان وفلسطين وإعطاءها غطاء عقائدي وسياسي مستدام للفصائل المسلحة لضمان عدم تفكيكها أو دمجها بالكامل في المنظومة الحكومية بطريقة تفقدها مرونتها العملياتية.
في المقابل، تتحرك حكومة علي الزيدي بناءً على مقاربة واقعية تهدف إلى إبعاد العراق عن سياسة المحاور، وتصطدم مباشرة بالرؤية الإيرانية عبر إجراءات صارمة وتطبيق خطط عملية لإخضاع كافة القوى المسلحة للأوامر العسكرية الرسمية، ومنع أي تحرك مسلح خارج إطار القائد العام للقوات المسلحة وكذلك العمل وفق منهج الحياد الايجابي لحماية الاقتصاد العراقي ومنع استخدامه كمنصة للالتفاف على العقوبات الدولية، مما يتطلب علاقات متوازنة مع الغرب والدول العربية


























