بقلم: ا.د عبدالرزاق محمد الدليمي
قراءتنا الأولية حول الاتفاق المبدئي الذي أُعلن عنه ليلة أمس الاحد ١٤حزيران الجاري بين الولايات المتحدة وإيران …. فإن المؤشرات الظاهرة على السطح تدل على أنه اتفاق لوقف المواجهة العسكرية وفتح باب التفاوض حول الملفات العالقة والشائكة وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وحرية الملاحة في مضيق هرمز. وتشير التقارير إلى أن الاتفاق يتضمن وقف الأعمال العسكرية المباشرة ؟؟!! وإعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية مع بدء مفاوضات تفصيلية خلال الأسابيع المقبلة حول القضايا الأكثر تعقيداً.
ماذا بعد الاتفاق؟
أولاً:من المرجح أن تشهد المنطقة فترة تهدئة نسبية بعد أشهر من التوتر والتصعيد الأمر الذي قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية من خلال استقرار أسعار النفط وتراجع المخاوف من تعطيل الإمدادات.
ثانياً:لن يكون الاتفاق نهاية الخلاف الأمريكي–الإيراني بل بداية مرحلة تفاوضية جديدة. فالملفات الجوهرية مثل تخصيب اليورانيوم والعقوبات والدور الإقليمي لإيران ما زالت محل خلاف وتحتاج إلى تسويات لاحقة.
ثالثاً:سيحاول كل طرف تقديم الاتفاق على أنه انتصار سياسي. فواشنطن ستعتبره خطوة للحد من المخاطر النووية وتأمين الملاحة الدولية، بينما ستسعى طهران إلى تصويره باعتباره اعترافاً بدورها الإقليمي ومدخلاً لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
جنوب لبنان
بالنسبة لجنوب لبنان فإن أي اتفاق أمريكي–إيراني لا يعني تلقائياً انتهاء الأزمة هناك لكنه قد يفتح نافذة لخفض التصعيد.
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة :
1. تهدئة مؤقتة
تشير تقارير حديثة إلى أن مسودة التفاهم الأمريكي–الإيراني تتضمن وقفاً للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان لمدة قد تصل إلى 60 يوماً ما قد يخفف القصف المتبادل ويتيح عودة تدريجية لبعض النازحين.
2. استمرار التوتر رغم الاتفاق
العقبة الرئيسية هي أن إسرائيل ما زالت تصر على إبعاد أو تفكيك البنية العسكرية لحزب الله في الجنوب بينما يرفض الحزب شروطاً يعتبرها استسلاماً. كما أن تقارير حديثة تشير إلى أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب الكامل من بعض المناطق التي سيطرت عليها في جنوب لبنان حتى لو تم توقيع الاتفاق الأمريكي–الإيراني.
3. ربط مستقبل الجنوب بالتسوية الإقليمية
تعتبر طهران أن لبنان ورقة استراتيجية مهمة في أي تفاوض مع واشنطن ولذلك سعت إلى إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهم أوسع. وفي المقابل يرى مسؤولون لبنانيون أن استعادة سيادة الدولة على الجنوب وحصر السلاح بيد الدولة أصبحت قضية مركزية في المفاوضات الجارية.
إذا صمد الاتفاق الأمريكي–الإيراني فستكون أول نتيجة متوقعة هي انخفاض مستوى القتال في جنوب لبنان لكن السلام الدائم ما زال بعيداً لأن الخلاف الحقيقي يتعلق بمستقبل سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية ودور إيران الإقليمي. وهذه ملفات لم تُحسم بعد.
ألعراق
أما بالنسبة للعراق فإن أي تهدئة أمريكية–إيرانية قد تقلل من احتمالات تحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين مرحلياً وتمنح حكومة علي الزيدي فرصة أكبر لان تلتقط انفاسها ؟! وللتركيز على ملفاتها الداخلية والأمنية والاقتصادية. لكن العراق سيبقى متأثراً بأي تطورات لاحقة ….خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات أو عادت التوترات من جديد وهو امر متوقع جداً؟!
حتما فإن أي تهدئة مستقرة سيما في جنوب لبنان ستنعكس غالباً على مجمل محور الصراع الإقليمي ما قد يقلل من احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة خلال المدى القريب.
في المحصلة كما نعتقد لا يبدو أن الاتفاق لا يمثل نهاية الصراع بين الولايات المتحدة وملالي إيران بل هو انتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة اختبار سياسي ودبلوماسي. نجاحه أو فشله سيتوقف على قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاقات دائمة تعالج جذور الأزمة وليس مجرد تجميدها مؤقتاً.
واخيراً وليس آخراً مهما تعددت السيناريوهات وتباينت التقديرات فإن الثابت أن مستقبل المنطقة لا يجب أن يبقى رهينة للصراعات الخارجية أو التفاهمات المؤقتة بين القوى الكبرى. فالأمم الحية هي التي تصنع مستقبلها بإرادتها الوطنية ووحدة صفها وقدرتها على حماية مصالحها العليا. وقد أثبتت التجارب أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج بل يُبنى من الداخل عبر الدولة القوية والمؤسسات الراسخة والتنمية المستدامة. لذلك يبقى الأمل قائماً بأن تتحول مرحلة التهدئة الحالية إلى فرصة لشعوب المنطقة كي تستعيد زمام المبادرة وتفتح صفحة جديدة عنوانها الأمن والسيادة والازدهار بعيداً عن الحروب والاستقطابات التي استنزفت مقدراتها لعقود طويلة.
























