بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تقتضي مهمة السفير توم براك (توماس باراك) الدبلوماسية العمل كمسؤول قيادي في إدارة الرئيس دونالد ترمب لإدارة وتنسيق الملفات الاستراتيجية في كل من سوريا والعراق وتتركز أبرز مهامه ومسؤولياته في العراق على تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومة الزيدي ومواجهة النفوذ الإيراني وبحث ملف الفصائل المسلحة الموالية لطهران والتي تراها واشنطن تهديداً لمصالحها ، اضافة الى قيادة التنسيق الإقليمي المشترك لضمان استمرارالعمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في البلدين والاستفادة من موقعه كسفير في أنقرة لربط المصالح التركية والأمريكية في ملفات الأمن والحدود مع سوريا والعراق.
وبناءً على هذا التحديث السياسي ، ستتركز مهمة مبعوث الرئيس الأمريكي توم باراك في العراق على صياغة شكل العلاقة مع إدارة علي الزيدي وفق المحاور التالية:
- بناء قنوات اتصال جديدة: يتولى باراك التعامل المباشر مع رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، الذي ينظر إليه كوجه اقتصادي وتكنوقراط (بخلفية مالية ومصرفية) لبحث خطط الإصلاح المالي والإداري بما يضمن استقرار السوق العراقي وعدم تضرره من العقوبات الإقليمية.
- ملف السيادة والفصائل: يمثل باراك أداة الضغط الصارمة لإدارة ترمب في حث حكومة الزيدي على اتخاذ خطوات فاعلة لتحجيم نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لطهران وضمان سيادة القرار العراقي.
- الحفاظ على وحدة العراق وسوريا: يعمل باراك مع بغداد لمنع أي سيناريوهات تؤدي إلى تفكك أو تقسيم المنطقة (مثل نماذج الحكم الذاتي للأكراد دون توافق استراتيجي)، محذراً من تبعات ذلك على الأمن الإقليمي.
- استمرار التنسيق الأمني: ضمان مواصلة التعاون العسكري المشترك بين واشنطن وحكومة الزيدي في ملف مكافحة بقايا تنظيم داعش وتأمين الحدود المشتركة مع سوريا.
يواجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تحدياً معقداً للغاية في ملف حل الفصائل المسلحة في ظل الضغوط الدولية الداعمة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن القدرة على “التفكيك الكامل” تصطدم بعقبات ميدانية وسياسية كبرى تجعل المهمة أشبه بـ “تسوية تكتيكية” بدلاً من الحل الجذري رغم المؤشرات الداعمة لخطواته المتمثلة بمبادرة مقتدى الصدر المفاجئة المتمثلة بفك ارتباط سرايا السلام بالتيار ودمجها بالكامل تحت مظلة القوات المسلحة، وهو ما استغله الزيدي فوراً لتشكيل لجنة حكومية لتسلم سلاحهم ودعوة بقية الفصائل للحذو حذوهم وكذلك مرونة من بعض الفصائل بنزع سلاحها والانخراط في تسوية أمنية ، الا ان الضغط الأمريكي الصارم من قبل إدارة ترامب ومبعوثها توم باراك الممزوج سياسياً واقتصادياً لحكومة بغداد بحل لفصائل وتفكيك سلاحها المتوسط والثقيل كشرط أساسي لتقديم الدعم الاقتصادي لحكومة الزيدي التي تصطدم بجملة من العقبات والتحديات المفصلية بعد أعلان فصائل رئيسية مثل (كتائب حزب الله والنجباء) تمسكها الصارم بسلاحها، معتبرة أن خطوة نزع السلاح لا تشمل فصائل المقاومة الإسلامية رغم وجود الغطاء القانوني والسياسي النافذ الذي يمتلكه الحشد الشعبي بعد اقرار البرلمان العراقي قانون الحشد الشعبي وجعله جزءاً رسمياً من المنظومة الأمنية للدولة، حيث ان تعديل هذا الوضع يتطلب توافقاً سياسياً غائباً داخل “الإطار التنسيقي” الذي دعم وصول الزيدي للسلطة كمرشح تسوية لكسر الجمود السياسي؛ لذا فإن أي صدام عسكري مباشر مع الميليشيات القوية قد يهدد بانهيار حكومته داخلياً، بينما سيؤدي تجاهل الملف إلى خسارته الغطاء الدولي والاقتصادي.
الموقف الايراني المزدوج
تنظر إيران إلى حكومة الزيدي واشتراطات واشنطن بحذر شديد وتحفظ واضح على تكليف الزيدي منذ البداية، تمثلت بزيارات متتالية من قبل قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد للاجتماع بقوى “الإطار التنسيقي” لترتيب أوراق الحكومة، وضمان عدم المساس بالخطوط الحمراء الإيرانية الرافضة لأي محاولة لتقليص نفوذها أو “تفكيك” الفصائل العقائدية الحليفة لها ، حيث تعتبر وجود هذه الفصائل ضمانة أمنية وجيوسياسية لها في المنطقة ولديها حساسية من خلفية الزيدي المصرفية، لذا قد تسمح له بهامش مناورة تكتيكي (مثل قبول دمج الفصائل الأقل أيديولوجية أو تجميد الأنشطة العسكرية مؤقتاً لتهدئة واشنطن وتجنب العقوبات المصرفية المدمرة للعراق)، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى تجريد الفصائل الكبرى من سلاحها الثقيل ، لذلك تحاول الأطراف الموالية لطهران إعادة صياغة شروط نزع السلاح بالانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق، لتفريغ الضغط الأمريكي من محتواه ولهذا لن تسمح طهران للزيدي بحل الفصائل الأساسية كدفعة واحدة ، بل ستدفعه نحو “تهدئة مؤقتة” ومناورة سياسية، لمنع الصدام المباشر مع واشنطن من جهة، وللحفاظ على عمقها الاستراتيجي داخل البنية الأمنية للعراقية كـ”ورقة تفاوضية”، بل ستستخدمها كأداة للمناورة التكتيكية وعقد “صفقات مرحلية” لتخفيف الضغوط الحالية كونها تعتبر سلاح الفصائل في العراق كعنصر وجودي لعمقها الاستراتيجي، وتعتمد في مسار المفاوضات الجارية مع إدارة ترمب.
النتائج والتوقعات
لا يستطيع علي الزيدي حل الفصائل المسلحة بقرار أحادي أو بالقوة العسكرية، لكنه يتحرك حالياً عبر “خطة تدريجية” ووساطات لجان أمنية مستغلاً خطوة الصدر؛ بهدف دمج الفصائل المستعدة للتسوية وتحجيم نفوذ الأطراف الرافضة سياسياً ومالياً لتجنب مواجهة مباشرة قد تعصف باستقرار البلاد ، مايعني ان الملف بالفعل شائك، والزيدي يقف الآن في حقل ألغام بين شروط واشنطن الحازمة والصارمة وبين التوازنات الحساسة للفصائل على الأرض التي تقودها طهران ولهذا نعتقد ان توم باراك سيمنح حكومة الزيدي فترة زمنية محددة لإثبات جديتها في كبح الفصائل، مع الإبقاء على المساعدات الأمنية الأمريكية معلقة ومجمدة كأداة ضغط أولية حتى تقدم بغداد أدلة ملموسة على حصر السلاح ، اضافة الى ذلك ان المبعوث الامريكي قد لوح بفرض قيود مشددة على تدفق الدولار عبر البنك المركزي العراقي، وقطع النظام المصرفي عن شبكات التحويل الدولية إذا استمرت الحكومة في تمويل الفصائل المدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية واشتراط واشنطن حرمان أي شخصيات مرتبطة بالميليشيات من تولي مناصب وزارية أو إدارية في حكومة الزيدي، مقابل تفعيل حزم الدعم الاقتصادي والاستثمارات ومشاريع إعادة الإعمار الإقليمية التي ينسقها باراك مع تركيا ودول الخليج وهذا مادفع الزيدي الى انشاء “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة” لتشديد الرقابة المسبقة على العقود الحكومية، وهي خطوة تدعمها واشنطن استباقياً لقطع خطوط التمويل غير المباشرة التي تستفيد منها الفصائل من موازنة الدول وسيستغل باراك خطوة مقتدى الصدر بحل “سرايا السلام” وتسليم سلاحها للدولة كـ”رافعة سياسية”؛ حيث يضغط على حكومة الزيدي لإجبار الفصائل الحليفة لإيران على الاقتداء بالصدر، مما يضع طهران والفصائل الرافضة في موقف “المتمرد” على سيادة الدولة والقانون أمام الشارع العراقي وهذا الأمرسيدفع واشنطن باعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل من توجيه ضربات عسكرية قاسية ومباشرة ضد الفصائل العراقية (مثل كتائب حزب الله أو النجباء وغيرها) داخل الأراضي العراقية إذا حاولت استخدام أجوائها أو أراضيها لتهديد حلفاء أمريكا في المنطقة ، اضافة الى ذلك سيستخدم باراك ورقة تجميد أي مساعدات أمنية أو لوجستية أمريكية للجيش العراقي ومنع التدفقات النقدية والتحويلات المالية بالدولار لقطع التمويل الحكومي غير المباشر عن “هيئة الحشد الشعبي” وحظر الشخصيات السياسية المرتبطة بالفصائل العقائدية ، حتى تباشر حكومة علي الزيدي بخطوات ملموسة في نزع سلاح الفصائل المتوسط والثقيل ولهذا قد لا تؤثر خطوات نزع سلاح المليشيات سلباً على ورقة التفاوض الإيراني مع أمريكا، بل على العكس، قد تمنح طهران مرونة تكتيكية وأوراق ضغط من حيث المناورة الدبلوماسية والاحتفاظ بمفتاح التهدئة و شرعنة وجودها المستدام.



























