بقلم: د. مها أسعد
نبدأ مقالنا هذا بتساؤل يجوب في ذهن المُتلقي المهتم بمثل هكذا موضوعات، وهو كيف تساهم المنصات الإلكترونية في صناعة هوية مُصطنعة للمستخدمين عبر خوارزميات تكافئ أنماطاً مُعينة من المحتوى وتوهم الجمهور بأنها تمثل “الواقع”؟! تعني الأصالة قبل أن تُرافق الزيف حقيقة تنبع من الاتساق بين الجوهر والمظهر، بينما الأصالة الزائفة تعني تبني “مظهر الأصالة” كقناع سواء كان ذلك بدافع الخوف من عدم القبول، أو كاستراتيجية تسويقية وأجتماعية مدروسة.
يأخذ بهذه الحالة مفهوم الأصالة الزائفة أبعاد أكثر تعقيداً في سياق الأنثروبولوجيا الرقمية، حيثُ تتداخل الهوية الخاصة بالأنسان أو الشخص المُستعمل للميديا مع الخوارزميات والمنصات التقنية في صناعة الأصل أذا كانت تلك الخوارزميات تُحاكي نوعاً معيناً من المحتوى “الواقعي” وبعد أن يتم تكرار هذا النوع من المُحتوى من قبل أصحاب المنصات الألكترونية تصبح هُناك حالة من التنميط الثقافي الرقمي، وما ينتج أننا سنشاهد مقاطع الفيديو أو الصور المُتشابهة، مما سيعمل تدريجياً على قتل التنوع الثقافي الحقيقي لصالح نسخة رقمية مُوحدة، وبالتالي ستفقد الأصالة سياقها المرتبط (بالزمان والمكان والخصوصية الثقافية …)
مما يؤدي الى أنهيار السياق لأن الفعل يُنتزع من الجذور ويُعرض أمام جمهور عالمي مُتنوع.
تروم الأصالة الزائفة في أحدى جوانبها الى أستراتيجية تسويقية للذات ففي الرقمية يميل المستخدمون للميديا الى تقديم صورة تبدو عفوية أو غير مُعدلة، هذا غير صحيح من وجهة النظر الأنثروبولوجية وذلك لأنها تبقى خاضعة للأختيار الواعي والفلترة فالشخص يختار اللحظة العفوية التي تخدم صورته الأجتماعية، مما يحول العفوية الى أستراتيجية تسويقية للذات، هذا وأنها تهدف الى الأقتصاد الرقمي الذي يقوم على تحويل الخصوصية والأصالة الى قيمة تبادلية بين المؤثرين صانعين المُحتوى، حيث أنهم يبيعون لمتابعينهم
شعوراً بالصداقة والقرب عندما يُشارك المؤثر لحظات ضعفه أو حياته اليومية البسيطة مع جمهوره، جيث إنهُ غالباً ما يفعل ذلك لزيادة رأس المال الرمزي (المعنوي) والثقة، في هذه اللحظة وعند استعمال المُستخدم للميديا فأنه يحول العناصر الثقافية الى داتا من الرموز. صنف العمل الذي يركز على هذا النوع من التأثيرات لوسائل الاتصال بأنه فاقد للنشاط الأجتماعي الأصيل، وهكذا تستغل الكتابة الأنثروبولوجية في الغالب حول المجتمعات صغيرة النطاق، التي تم تناولها
على أنها رؤية إنسانية أصيلة في حالتها الطبيعية والأقل توسيطاً إن هذا أمر متناقض في شكل تام لما تؤيده بالفعل الأنثروبولوجيا، وذلكَ لأنها ترى كُل الناس على أنهم ثقافيون بالتساوي، أي إنهم نتاجات للتشييء، فالعشائر الأصلية في المُجتمع العراقي مثلاً قد لا تكون لديها ثقافة مادية بالمعنى المُتطور التي تحمله المدينة، وعوضاً عن ذلك تستعمل خصائصها الثقافية من نظام قرابي وقيم وأعراف..، فضلاً عن استثمار خصائصها الطبيعية(البيئة) لخلق شعور متميز يصبح بعد ذلك نظام للمُجتمع والبنيات التي تقود الالتزام الأجتماعي.
من المُحتمل أن واحدة من المساهمات الكبرى للأنثروبولوجيا الرقمية ستكون هي الدرجة التي تفجرت فيها أخيراً الأوهام التي نحتفظ بها بخصوص عالم غير موسط وغير ثقافي، وبعد رقمي يستعمل تخليداً رقمياً مثل الفوتوغرافيا ليبين أن الذاكرة كانت دائماً بناءً ثقافياً أكثر من كونها بناء شخصياً، فالفوتوغرافيا باعتبارها توسطاً مادياً معيارياً تظهر كيف أن الذاكرة ليست نفسية فردية، بل ترتكز في شكل واسع على ما هو مُناسب لنا لكي نستذكره، فإن أساس الأنثروبولوجيا في أنفصالها عن علم النفس، هو أن الموضوعي يتم بناؤه ثقافياً.
أن الانثروبولوجيا بأدواتها الثقافية تُحلل وتكشف المعنى الحقيقي اذا ما استعمل الباحث البنيوية في تحليله للمادة المعروضة على الميديا، والذي يكشف بدوره الوقائع المُزيفة بإبعاد ثقافية، فإن الصورة المُتاحة والنموذج الجاهز والحدث الناتج المرئي عبر هذه الوسائل يكون خاضع للتمثيل والمُحاكاة والتجسيد، والذي يُمثل نمطاً من أنماط الإيهام بالحقيقة المُتخيلة الناجمة عن الدمج الإلكتروني الصناعي في مُختلف صور الحياة من حُولنا؛ كُل ذلك تكشفه الأنثروبولوجيا عند كشفها للحقائق الواقعية بوسائلها التي تحتك بالثقافة بشكل مباشر، فهناك وقائع وأحداث جديدة تستثير الأشخاص وتظهر من خلال ردود الأفعال الناجمة عن ذلك الحدث، وهي التي تكشف بالضرورة التوجه الإنساني للإنسان داخل الوسط المجتمعي لهذا المكان أو ذاك، فمن الأمثلة الشائعة التي حاولت كباحثة مُهتمة بهذا الشأن كشفها هي إيهام وسائل الإعلام المتبناة من التوجه الامريكي-الغربي العالمي هو ان هناك أحداث تقوم بها جماعات مُعينة مُضاف لها من قبل أعلامهم مُسحة لخلق صورة ذهنية عند المُتلقي وبالتالي خلق رأي عالمي، مُقابل ذلك الإيهام أيهام أخر موازي يتم خلقهُ كذلك متمثل في فكرة أن “أمريكا” هي المُخلص المُنقذ من هذه المجموعات الإرهابية بما تملكهُ من مؤهلات لذلك مُتجسدة بالأسلحة المُتطورة والتكنولوجيا، وان وسائل الأعلام والإتصال المملوكة من قبلهم والمسيطر عليها عالمياً هي المساهم الأول في هذا الإيهام والزعم بأن لا يوجد غيرهم من يَملك مؤهلاتهم تلك، ان هذا الواقع يرتبط أرتباطاً وثيقاً بنوع من أساليب المحاكاة وتكنلوجياتها، وهي تسمى المُحاكاة الحرة التي لا تُشير إلى أي أصل في الحقيقة، ولا تعود إلى أي نوع من الأصول الفعلية في الحياة الواقعية، ولكن ورغم كل ذلك الجهد المبذول إلا ان هُناك أحداث واقعية تُعيد تشكيل الفهم للجماهير وتنسف كل القوالب النمطية الجاهزة التي أرادت السياسة العالمية من خلال الإعلام غرسها في الشعوب ولسقها في أذهانهم على أنها الحقيقة الدامغة التي لا تقبل التغيير، وهناك مثال واقعي جديد يُجسد تلك الحقيقة التي حطمت كل تلك الأنماط الثابتة هي “غزة” والتي ستكون عاملاً ذا ثقل كبير في ميزان القوى ولن تصمد أمامه كثيراً جماعات اللوبي(جماعات الضغط) المُسيطرة على الإعلام العالمي أمام التشكل الإنساني الجديد للوعي، وتحديداً وعي الشباب الصاعد والذي أدرك زيف ادعاءاتهم من خلال ما يسمع ويرى من أحداث واقعية مُدركاً الهوة الكبيرة بين ما موجود في مدوناتهم وبرامجهم المتضمنة للقيم الإنسانية وبين الواقع الذي ينسف كل ذلك، سواء بصورة مباشر من خلال أسلحتهم الداعمة للكيان الغاصب في القتل والإبادة، او بصورة غير مباشرة بوساطة الفيتو الذي يشرعن كل ذلك.



























