بقلم: د. ابراهيم العبادي
يجد المتتبع لخطة الاستجابة التي وضعتها الحكومة الأردنية لمواجهة أزمة تفشي فايروس كورونا ومن تفاعلاتها ، بأنها أزمة لا مثيل لها في الآونة الأخيرة بالنسبة لها ، حيث وضعت هذه الأزمة مطالب وتحديات استثنائية أمام الحكومة. يبدو أن التعامل مع احتمالية انتشار المرض وعدم القدرة على التنبؤ به يجعل من الصعب على الحكومة الاستجابة له على شكل أفضل حال مما هو ممكن ، وبالفعل فاننا نلاحظ بأن احتمالية تفشي المرض أوجد بصمات ما نسميه أزمة ” مقياس المناظر الطبيعية “ : حدث غير متوقع او سلسلة من الأحداث ذات الحجم الكبيروالسرعة الهائلة ، مما يؤدي الى درجة عالية من عدم اليقين الذي يدفع الى حالة من الارتباك احيانا وربما الاضطراب العام . الحكومة لم يكن في أجندتها الدخول في مثل هذه المواجهة غير المتوقعة .
ان ادراك أن الحكومة تواجه أزمة هو أول شيئ يجب على مسؤولي الحكومة القيام به وهذا ما لاحظناه من تفاعل الحكومة مع هذه الأزمة ، وربما كانت خطوات صعبة في البداية لاتخاذ اجراءات صارمة لم تكن في حسابات الحكومة الاعتيادية خاصة في هذه الفترة من العام ، وبمجرد أن تعترف الحكومة بالأزمة على هذا النحو يمكنها البدء في الاستجابة ، لكنهم لا يستطيعون الاستجابة كما يفعلون في حالات الطوارئ المعتادة او المتوقعة باتباع خطط الاستجابة المعدة مسبقا . الا أن الملاحظ خلال الازمة التي تحكمها عدم الألفة وعدم اليقين يتم الارتجال الى حد كبير في الاستجابات الفعالة ، وبالتالي فان المتعارف عليه في مثل هذه الأزمات أن ما تحتاجه الحكومة ليس خطة استجابة محددة مسبقا ، بل سلوكيات وتفكير استراتيجي يمنع من المبالغة من رد الفعل تجاه تطورات الأمس وتساعدنا على التنبؤ بالمستقبل ، وهنا وخلال هذه الأزمة يجب التخلي عن الاعتقاد السائد بأن الاستجابة من أعلى الى أسفل ستولد الاستقرار المنشود . في حالات الطوارئ الروتينية يمكن للحكومة النموذجية الاعتماد على هيكل نموذج القيادة التقليدي ، بحيث تتمكن الحكومة من تعبئة مؤسساتها بشكل أفضل عن طريق وضع أولويات واضحة للاستجابة واكتشاف وتنفيذ الحلول التي تخدم خطة الاستجابة ، لكن في مثل هذه الأزمة وفي ظل ظروف عالية من التوتر والارباك وعدم اليقين ، قد تلجأ الحكومة للخروج من المدرسة التقليدية في ادارة الأزمات وبناء نموذج متقدم ” منظومة شبكة الفرق “ ، وهو نموذج فعال ربما تمارسه بشكل أكبر وبطريقة احترافية الأجهزة العاملة في مجال الأمن لمواجهة الأزمات غير المتوقعة ، ولتعزيز الحل السريع للمشكلات التي تواجهها الحكومات في مثل هذه الأزمات وكون هذه الأزمات تنطوي على العديد من العوامل المجهولة والمفاجآت فقد لا تتضح الحقائق في الاطار الزمني اللازم لاتخاذ القرار ، ويعتبر انتظار ظهور مجموعة كاملة من الحقائق قبل تحديد ما يجب فعله هو خطأ شائع ، وعليه قد تلجأ الحكومة خلال الأزمة الى دورة الايقاف المؤقت – التقييم – التوقع – مستمرة ، لأنها تساعد على الحفاظ على حالة استمرارية التفاعل مع الأزمة ، والحفاظ على حالة من “الهدوء المتعمد” وتجنب المبالغة في رد الفعل تجاه المعلومات حال ورودها حتى لو كان التعامل مع أسوأ السيناريوهات .
تبرز هنا مهارة الحكومة بالتركيز على قيمة ” الهدوء المتعمد ” و ” التفاؤل المحدود ” او “الحذر” ، كون الأزمة في النهاية تقوم على أولوية أولى وهي التعامل مع المأساة الانسانية بحيث تتحول عقول الناس أولا الى بقائهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية ، وبالتالي تأتي ضرورات دور المسؤولين عن الأزمة في الحكومة الى احداث فرق ايجابي في حياة المواطنين ، والحكومة هنا أمام اختبار صعب قد لا يتكرر في دورة حياتها السياسية ، وخلاصة القول اذا اعتبر المواطنون الاجراءات التي تتخذها الحكومة في اطار خطة الاستجابة تحت قانون الدفاع ملائمة وفعالة ، فانها توفر ” رأس مال سياسي ” سيحدد مستقبل الدولة .
*باحث ومحلل استراتيجي
*المدير العام للمركز الوطني للقيادة والتنمية المستدامة





























