بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يعزو رفض دول الخليج تدمير إيران أو الانخراط في حرب شاملة ضدها لتجنب دفع تكاليف أمنية واقتصادية باهظة ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات استراتيجية وواقعية تتمثل بحماية المنشآت الحيوية، لأن أي مواجهة عسكرية مباشرة ستجعل البنية التحتية الخليجية خصوصاً (محطات تحلية المياه وحقول النفط والغاز والموانئ) عرضة لضربات صاروخية ومسيّرات انتقامية من إيران، مما قد يشل الاقتصاد العالمي ، اضافة الى سلامة الممرات المائية المتمثلة بمضيق هرمز ، لأن اغلاقه سيؤثر بشكل تام ، لاعتمادها عليه في تصدير طاقتها للعالم، مما يترتب عليه أزمة اقتصادية خانقة ، مع الاخذ بنظر الاعتبار خشيتها من انهيار النظام الايراني الذي ستترتب عليه فوضى اقليمية قد يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً يفتح الباب أمام صراعات داخلية ممتدة، ولهذا تفضل الاستقرار عبر الحلول الدبلوماسية لاحتواء التوترات وليس الانجرار إلى تحالف عسكري دولي ضد طهران قد يخدم أجندات قوى خارجية، ماجعلها تلعب دور الوسيط لتخفيف التصعيد رغم تعرضها لهجمات انتقامية من ايران.
تُظهر التحليلات السياسية ومواقف قادة دول الخليج ، أن الأولوية القصوى للمنطقة هي الاستقرار والازدهار الاقتصادي، وليس الدخول في حرب تدميرية شاملة ضد إيران ، رغم اعتقادنا التحليلي ان دول خليجية قوية لديها الرغبة الحقيقية في كبح نفوذ طهران الإقليمي، وإنهاء دعمها للميليشيات، ووقف برنامجها الصاروخي والنووي، إلا أن فكرة “التدمير الكامل” لا تحظى بترحيب خليجي للأسباب التالية:
- ان أي محاولة لتدمير إيران بالكامل ستشعل حرباً إقليمية واسعة، وتجعل المدن الخليجية ومنشآتها النفطية والاقتصادية خط الدفاع الأول والهدف المباشر للصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
- فشل استراتيجية “الضغط الأقصى” التي كان ينتهجها ترامب خلال ولايته الأولى ، ورغم العقوبات القاسية، لم يؤدِ الضغط إلى انهيار النظام بل زاد من حدة التوترات العسكرية في الخليج (مثل استهداف ناقلات النفط ومنشآت أرامكو عام 2019)، مما أثبت أن التصعيد لا يوفر أمناً مستداماً.
- تبنت دول الخليج (مثل السعودية والإمارات) في السنوات الأخيرة استراتيجية تصفير المشاكل وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع طهران لضمان أمن الممرات المائية وحماية المشاريع الاقتصادية العملاقة مثل “رؤية 2030”.
- خشية دول الخليج من الفوضى التي سينتج عنها انهاء النظام الايراني وارتداداته على الشعب الذي يتجاوز سكانه 85 مليون نسمة ، الأمر الذي سيخلق أزمة لجوء كبيرة وفوضى أمنية في تاريخ المنطقة، وهو كابوس أمني لا ترغب دول الجوار في مواجهته.
دول الخليج بين الرفض والقبول
تنقسم أهواء دول الخليج بين رافض وقابل على إنهاء النظام الإيراني من الناحية الأمنية النظرية، لكنه في الواقع يحمل مخاطر جيوسياسية وأمنية كارثية تفوق المكاسب المتوقعة في حال تم اسقاط النظام الحالي في طهران ، ولهذا يمكن اعتبارالمكاسب المحتملة لدول الخليج ، تتمثل بتفكيك شبكة الميليشيات وانهاء دعمها المالي والعسكري المباشر في اليمن، العراق، سوريا، ولبنان، ما يرفع تهديد الطائرات المسيرة والصواريخ عن المدن والمنشآت الخليجية ، اضافة الى ان إغلاق الملف النووي سيزول خطر تحول إيران إلى دولة نووية في منطقة الشرق الأوسط ، يضاف الى ذلك ان سقوط النظام سيفتح فرص اقتصادية جديدة في السوق الإيراني الضخم ، أمام الاستثمارات والتجارة الخليجية في حال صعود نظام طبيعي ومنفتح.
الا ان المخاطر والكوابيس الأمنية المتخوفة لدول الخليج يجب ان توضع في الحسبان في حال تم انهاء النظام الايراني الحال التي سينتج عنها الفوضى والحرب الأهلية الطويلة بين الفصائل المسلحة والقوى العرقية (مثل الأكراد، البلوش، والأذريين)، ما يحول إيران إلى “سوريا عرقية كبرى” على حدود الخليج ، ناهيك من تدفق ملايين اللاجئين نحو دول الخليج باعتبارها الوجهة الرئيسية لموجات ضخمة من اللاجئين الإيرانيين عبر اراضيها ، من شأنه ان يشكل عبئاً أمنياً واقتصادياً وديموغرافياً هائلاً ، يضاف الى ذلك انتشار السلاح المنفلت نتيجة انهيار الأجهزة الأمنية الإيرانية ، ما يعني وصول ترسانة طهران الضخمة من الصواريخ والمسيّرات إلى أيدي جماعات متطرفة أو شبكات تهريب دولية، وهو ما يهدد أمن الملاحة الخليجية بشكل أكبر ، كما ان انهيار النظام يشكل تهديداً للمشاريع الاقتصادية التي تحتاجها دول الخليج إلى بيئة إقليمية مستقرة تماماً لتنفيذ مشاريعها العملاقة (مثل رؤية السعودية 2030 والمشاريع الاقتصادية الإماراتية)، وفوضى سقوط النظام الإيراني ستطرد الاستثمارات الأجنبية من المنطقة لسنوات طويلة.
النتائج والتوقعات
تفضل دول الخليج تغيير سلوك النظام الإيراني عبر الضغط الردعي والدبلوماسي وكبح نفوذها الإقليمي ووقف برنامجه الصاروخي ، على إنهاء النظام بالكامل، لأن كلفة الفوضى التي ستعقب السقوط ستتحملها دول الجوار مباشرة ، على اعتبار ان طبيعة النظام الايراني الثيوقراطي ، هو هيكل حكم إسلامي تأسس عقب ثورة عام 1979 الذي يدمج بين المؤسسات الدينية العقائدية والقواعد الديمقراطية الحديثة وتقع سلطته العليا المطلقة بيد “المرشد الأعلى” وفقاً لنظرية ولاية الفقيه ، وهو نظام فريد يوازن بين النفوذ الديني والمؤسسات الجمهورية المنتخبة وان سقوط هذا النظام يعني انتقال السلطة من رجال الدين إلى الحرس الثوري الإيراني بشكل كامل ، فيتحول الحكم إلى نظام عسكري قومي براغماتي صارم، ما قد يشكل تأثيراً مباشراً على دول الخليج التي تفضل ، ان يكون شكل النظام الجديد في ايران ديمقراطي بشكل تدريجي على اعتبار، ان صعود حكومة تكنوقراط مدنية ستستجيب للضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية وسيتركز عملها على الداخل وإصلاح الاقتصاد وليس التدخل في شؤون دول الجوار وهذا ما تفضله دول الخليج ، لفتح أسواق ضخمة من الاستثمارات المتبادلة.


























