بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
منذ اللحظة التي نزل فيها الخميني من طائرة “الخطوط الجوية الفرنسية” على أرض طهران عام 1979، بدت إيران وكأنها تودع عهداً وتدخل دهليزاً معتماً بلا نهاية.
كان المشهد مهيباً في ظاهره، لكنه حمل في طياته بذور عاصفة عاتية لم تقتصر تداعياتها على الداخل الإيراني، بل امتدت كالشرر لتلهب الشرق الأوسط بأسره. رفع الخميني راية “الجمهورية الإسلامية”، لكن ما أُنجز فعلياً كان تأسيس نظام دموي مغلق، يختطف الدين ويزج به في أتون السياسة والحروب والدمار.
فمنذ قيام ما يسمى بـ”الجمهورية الإسلامية”، اتخذت إيران منحىً تصادمياً مع محيطها ومع العالم، تحت مظلة ما يُعرف بـ”ولاية الفقيه”؛ هذا النموذج الفريد في الحكم الذي يحتكر السلطة باسم الدين ويحول المرجعية الدينية إلى قرار شمولي لا يقبل المعارضة.
وعلى الرغم من أن الروايات حول تورط قوى دولية كأمريكا وبريطانيا وفرنسا في إزاحة الشاه وتمكين الخميني لا تزال محل جدل، إلا أن الوقائع التي تلت ذلك لا تحتاج إلى أدلة تاريخية لإثبات الكارثة التي حلّت بالشعب الإيراني والمنطقة برمتها. فبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس النظام، أصبحت إيران دولة معزولة اقتصادياً، مأزومة سياسياً، ومكروهة شعبياً حتى في أوساط شعوب الدول التي تدّعي الدفاع عنها.
لقد تحولت طهران إلى ماكينة دمار إقليمي عبر ما تسميه “تصدير الثورة”، وهو الشعار الذي فتح بوابات الجحيم في الشرق الأوسط. بدأت بالحرب الإيرانية-العراقية التي استمرت ثماني سنوات وأسفرت عن أكثر من مليون قتيل وجريح، ومروراً بإنشاء ميليشيات طائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وليس انتهاءً بتهديد الملاحة في الخليج وضرب منشآت نفطية حساسة، مثل الهجمات التي طالت “أرامكو” السعودية عام 2019، والتي وُجهت فيها أصابع الاتهام مباشرة لإيران بحسب تقرير الأمم المتحدة (UN Report, 2020).
في اليمن، لا تزال جماعة الحوثي – المدعومة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني – تفرض سيطرة مسلحة على العاصمة صنعاء، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم بحسب تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”الأمم المتحدة”. وفي لبنان وبفضل مليشيا حزب الله الإيراني الولاء، فقد تحول لبنان إلى دولة فاشلة اقتصادياً وامنياً، وصودر قرار الدولة تحت تهديد سلاح حزب الله المدعوم ايرانياً.
وفي العراق، تسببت الفصائل المدعومة من إيران في تعميق الانقسام الطائفي وإضعاف الدولة، و مئات الآلاف من القتلى والمغيبين والمهجرين. أما في سوريا، فكانت طهران الداعم الأساسي لبقاء نظام الأسد، مما أطال أمد الحرب وتسبب في مقتل أكثر من 500 ألف شخص، بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، وتشريد وتهجير الملايين.
> “لقد أساء نظام ولاية الفقيه إلى الإسلام حين ربط اسمه بجمهورية سالت منها الدماء أكثر مما فاض منها السلام.”
كل هذا الخراب لم يكن نتيجة أخطاء سياسية عابرة، بل جزء أصيل من عقيدة ولاية الفقيه التي ترى في زعزعة الاستقرار الإقليمي ضرورة لبقاء النظام داخلياً. أما الطموحات النووية، فهي ليست مجرد ورقة ضغط، بل مشروع مبيت لخلق توازن رعب يمكن إيران من فرض إرادتها على دول الجوار. ووفق تقارير “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، فإن إيران باتت على بعد أسابيع فقط من إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وهو ما يصنف عسكرياً كمستوى تصنيع قنبلة نووية (IAEA Report, 2024).
الخاتمة:
لقد أساء نظام ولاية الفقيه إلى الإسلام حين ربط الدين بالدولة، والدولة بالبارود، والشعب بالولاء الإجباري. لم يجلب لشعبه سوى الجوع ولجيرانه سوى الدمار، وللعالم سوى الصدام.
لقد سقطت مبررات وجود هذا النظام منذ زمن، لكن صموده حتى اليوم ليس إلا دليلاً على عجز المجتمع الدولي، وربما على التواطؤ الصامت لمن ساهموا في إنشائه. لكن التاريخ لا ينسى، وكما تجرّع الخميني “كأس السم” في نهاية حربه مع العراق، فإن الورثة الجدد لنهجه قد لا يجدون حتى ما يتجرعونه، حين يسقط ستار الزيف وتبزغ شمس الحقيقة من بين ركام الكذب والدماء.





























