بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
مع فتح صناديق الاقتراع، تُشير تقديرات استطلاعات الرأي إلى عجز كلا المعسكرين الصهيونيين عن تأمين أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة بمفردهما، ما يمنح المقاعد العربية ثقلاً حاسماً في رسم الخارطة السياسية.
كيف يتحكم الصوت العربي بـ “ميزان القوى”؟
يتوزع الدور السياسي لفلسطينيي 48 بين مقاربتين مختلفتين داخل المنظومة البرلمانية:
- منع معسكر نتنياهو من الحسم (القائمة المشتركة): تسعى القائمة المشتركة برئاسة يوسف جبارين إلى رفع نسبة التصويت العربي لتقليص حصة أحزاب اليمين وحرمانها من الوصول إلى عتبة الـ61 مقعداً، مما يمنع نتنياهو واليمين المتطرف (مثل بن غفير وسموتريتش) من قيادة الحكومة المقبلة.
- المقايضة والتأثير المباشر (القائمة العربية الموحدة): يتبنى منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة ، نهجاً تفاوضياً براغماتياً يقوم على تقديم الدعم البرلماني أو الانضمام للائتلاف الحكومي مقابل انتزاع مكاسب ملموسة للمجتمع العربي (مثل مكافحة الجريمة المنظمة ووقف مصادرة الأراضي). وقد عزز عباس هذا التوجه بضم شخصيات يهودية ذات خلفية أمنية مثل يوآف سيغالوفيتش لتعميق سياسة التأثير وصناعة القرار.
محددات وعقبات تُضعف تأثير “بيضة القبان“
تاريخياً، يسجل الشارع العربي نسب مشاركة منخفضة مقارنة بالشارع اليهودي (مثل تسجيل 53% للعرب مقابل 75% لليهود في محطات سابقة)، وهو ما يهدد بضياع مقاعد عربية أو سقوط أحزاب تحت نسبة الحسم.
فيما تحولت البيئة السياسية الإسرائيلية إلى صراع داخلي متمحور حول “أي يمين سيحكم إسرائيل؟”، حيث ترفض معظم قوى المعارضة الصهيونية بناء شراكة حقيقية مع الأحزاب العربية وتكتفي بمحاولة استغلال أصواتها لإسقاط نتنياهو دون تقديم تنازلات جوهرية.
في النهاية، تتوقف قدرة عرب 48 على أداء دور “بيضة القبان” بشكل فعلي على حجم التدفق العربي إلى صناديق الاقتراع؛ فكلما ارتفعت مخرجات المقاعد العربية، تعقدت حسابات اليمين الإسرائيلي وبات من المستحيل تجاوز صوتهم في أي ترتيبات سياسية قادمة.
و يتسم مستقبل التحالفات تجاه القوائم العربية في انتخابات الكنيست الـ26 بحالة من الرفض العلني الصارم من غالبية المعسكرات الصهيونية الكبرى، مقابل احتمالات براغماتية خفية قد تفرضها “لعبة المقاعد” بعد ظهور النتائج الرسمية.
ورغم الثقل الذي تشير إليه استطلاعات الرأي لكل منالقائمة العربية المشتركة (المتوقع نيلها 8-9 مقاعد) والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس (المتوقع نيلها 5-6 مقاعد)، فإن خارطة المواقف الحزبية تنقسم كالتالي:
- معسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت (الرفض المشروط)
أعلن غادي آيزنكوت، زعيم حزب “يشار” والمنافس الأبرز لنتنياهو، بشكل قاطع خلال الحملة الانتخابية رفضه تشكيل أي ائتلاف حكومي يضم أحزاباً عربية، مبرراً ذلك بمواقف هذه الأحزاب من تصنيف حماس كمنظمة إرهابية وقضايا الهوية.
- حلفاء المعارضة: يشاركه هذا الموقف قادة يمين الوسط واليمين القومي في المعارضة مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، اللذين يصران على ائتلاف مستند إلى “أغلبية يهودية”.
- الاستثناء الوحيد: يبدي تحالف “الديمقراطيون” بقيادة يائير غولان (يسار صهيوني) انفتاحاً أكبر وبشروط سياسية محددة للتعاون مع العرب.
- السيناريو البديل: يتوقع المحللون أنه في حال عجز آيزنكوت عن بلوغ حاجز الـ61 مقعداً، فقد يلجأ إلى خيار “حكومة أقلية“ تحظى بدعم خارجي (تصويت من المقاعد دون دخول الحكومة) من القوائم العربية لإسقاط نتنياهو.
- معسكر الائتلاف اليمني بقيادة نتنياهو (عداء انتخابي ومرونة لاحقة)
يواصل بنيامين نتنياهو هجومه الحاد على الأحزاب العربية في خطاباته لتعبئة اليمين، متهماً إياها بالسعي لإنهاء “الدولة اليهودية”.
- وجود أحزاب اليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش) في معسكره يجعل التحالف المباشر مع أي قائمة عربية مستحيلاً أيديولوجياً.
- يرى الخبراء أن نتنياهو قد يستغل أي تفتت في المواقف لضمان امتناع بعض النواب العرب عن التصويت لإحباط تشكيل حكومة معارضة، ما يمنحه فرصة للاحتفاظ بالسلطة عبر قيادة حكومة تصريف أعمال في حال حدوث انسداد سياسي.
- استراتيجية التموضع العربي (البراغماتية ضد القومية)
- القائمة العربية الموحدة (منصور عباس): عمدت إلى تعزيز نهجها البراغماتي بضم شخصيات يهودية مثل يوآف سيغالوفيتش لتعميق فكرة “الشراكة والتأثير” من داخل اللعبة الائتلافية. وهي تبدي استعداداً لتكرار تجربة 2021 والإنضمام لائتلاف بديل يطيح بنتنياهو، شريطة تلبية مطالب مدنية ملموسة للمجتمع العربي.
- القائمة العربية المشتركة: تركز بشكل أساسي على رفع نسب التصويت لمنع معسكر اليمين المتطرف من الحسم، مع إمكانية التأثير غير المباشر لمنع عودة نتنياهو، دون الدخول الفعلي في حكومة صهيونية.
التوقعات: نعتقد سيبقى مستقبل التحالفات رهينة “الحسابات الرياضية للمقاعد“؛ فالرفض العلني السائد حالياً قد يتحول إلى مرونة تفاوضية واضحة بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وعجز المعسكرات الصهيونية الكبرى عن حسم معركة الـ61 مقعداً بمفردها.


























