بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تتسارع دقات الساعة السياسية والعسكرية في أروقة صنع القرار في واشنطن وعواصم القرار الغربي، وسط تصاعد المؤشرات حول اقتراب ساعة الصفر لمواجهة عسكرية محتملة ضد طهران. وفي الوقت الذي تزداد فيه التكهنات حول توقيت هذه المواجهة وعلاقتها بالحسابات الانتخابية الأميركية، يبرز في كواليس التخطيط الاستراتيجي في “البنتاغون” سيناريو محدد المعالم والوقت، يحمل في طياته إستراتيجية عسكرية حاسمة وموجزة: “حملة الأيام السبعة” بمشاركة اسرائيلية كونها المحفّز الأساسي والشريك الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في التخطيط لسيناريو الـ 168 ساعة لإنهاء القدرات الإيرانية، حيث ترى تل أبيب في هذه المواجهة فرصة تاريخية للتخلص مما تصفه بـ “التهديد الوجودي” المتمثل في مشروع طهران النووي وترسانتها الصاروخية.
إن هذا المخطط الزمني الضيق والمكثف لا يأتي من فراغ، بل يمثل ترجمة مباشرة لحسابات سياسية وعسكرية معقدة تهدف إلى طمأنة الشارع الأميركي والغربي، القلق من شبح “الحروب الأبدية” التي استنزفت القوى الغربية في عقود سابقة كالعراق وأفغانستان ، الاستراتيجية الراهنة لا تبحث عن غزو بري أو إسقاط للنظام عبر الدبابات، بل تعتمد على قوة النيران الجوية والصاروخية العمياء والخاطفة لإنهاء القدرات العسكرية الحيوية الإيرانية بالكامل في غضون أسبوع واحد.
سيناريوهات المواجهة
خلال هذه الـ 168 ساعة، من المتوقع أن تشهد الأجواء الإيرانية تطبيقاً محدثاً لسياسة “الصدمة والترويع” ، الساعات الأولى من الحملة ستُخصص بالكامل لتدمير منظومات الدفاع الجوي ورادارات الإنذار المبكر الإيرانية باستخدام المقاتلات الشبحية والقنابل الذكية، لضمان السيطرة المطلقة على الأجواء ومع تداعي الدفاعات، ستنتقل الموجات الجوية المتلاحقة إلى الهدف الرئيسي: شل سلاح الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وضرب منصات الإطلاق ومراكز القيادة التابعة للحرس الثوري، تزامناً مع استهداف المنشآت النووية الحساسة ومرافق الطاقة الحيوية.
الهدف من حصر المعركة في هذا الإطار الزمني الصارم (5 إلى 7 أيام) هو فرض واقع استراتيجي جديد على الأرض وصياغة نصر سريع وحاسم قبل أن يتحرك المجتمع الدولي لفرض وقف إطلاق النار، وقبل أن تتأثر أسواق النفط العالمية والاقتصاد الدولي بشكل يخرج عن السيطرة. إنها محاولة أميركية لتقديم “حرب نظيفة وقصيرة” للناخب الغربي، تُنهي التهديد الإيراني دون التورط في مستنقع طويل الأمد.
ومع ذلك، تظل الـ 168 ساعة فوق سماء إيران محفوفة بالمخاطر؛ فالخطط العسكرية غالباً ما تصطدم بواقع الميدان، والتساؤل الأكبر الذي يواجه قادة البنتاغون: هل تكفي سبعة أيام لحياد تام لقدرات دولة أمضت عقوداً في تحصين منشآتها تحت الأرض وتوزيع أوراق قوتها عبر شبكة حلفاء إقليميين؟ الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيفصل بين حملة خاطفة ناجحة، أو انزلاق نحو حرب استنزاف إقليمية واسعة النطاق.
وتنقسم آراء المحللين السياسيين والاستراتيجيين حول توقيت الضربة العسكرية الأميركية المحتملة ضد إيران وعلاقتها بانتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر 2026. وتبرز وجهتا نظر رئيسيتان تتعلقان بالتأثير الانتخابي والحسابات السياسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين:
- الرأي المرجح لضربة “قبل” الانتخابات (لتعزيز موقف الجمهوريين)
يرى أصحاب هذا الطرح أن القيام بعمل عسكري حاسم ومحدود ضد إيران قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع قد يخدم الحزب الجمهوري عبر عدة آليات:
- تأثير “الالتفاف حول الأمن القومي: تاريخياً، يميل الناخب الأميركي إلى دعم القيادة السياسية والحزب الحاكم في أوقات الأزمات الأمنية الخارجية والعمليات العسكرية الخاطفة.
- إظهار القوة والحسم: يتيح ذلك لـ إدارة ترامب تقديم نفسها كقيادة قوية قادرة على حماية المصالح الأميركية وإخضاع الخصوم، وهو ما يتماشى مع السردية السياسية للجمهوريين.
- تحييد ملفات محلية ضاغطة: قد تساهم المواجهة العسكرية في تحويل انتباه الرأي العام والإعلام عن الأزمات الاقتصادية أو السياسية الداخلية التي قد يستغلها الديمقراطيون في حملاتهم الانتخابية.
- الرأي المرجح لضربة “بعد” الانتخابات (تجنب المخاطرة الاقتصادية)
في المقابل، تشير تقارير استخباراتية وتحليلات بارزة (مثل ما تداولته أوساط البنتاغون ونُشر في وسائل إعلام كـ “وول ستريت جورنال”) إلى أن الحملة العسكرية المكثفة قد يتم إرجاؤها إلى ما بعد محطة 3 نوفمبر الانتخابية ويستند هذا التوجه إلى المخاوف التالية:
- خطر قفزة أسعار النفط: أي ضربة للمنشآت النفطية الإيرانية قد تؤدي فوراً إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود العالمية والمحلية، وهو أمر يثير رعب أي إدارة أميركية قبل الانتخابات مباشرة لما له من تأثير سلبي مباشر على جيوب الناخبين.
- الرد الإيراني غير المتوقع: الخوف من انزلاق الضربة الخاطفة إلى حرب إقليمية واسعة تشمل استهداف منشآت طاقة أو قواعد أميركية في الخليج، ما قد يخلق فوضى عارمة تنعكس سلباً على حظوظ الجمهوريين في الصناديق.
- استخدام التصعيد كمناورة تفاوضية: يرى البعض أن الحشد العسكري الراهن والتهديد بالضربة قبل الانتخابات يهدف فقط للضغط الأقصى على طهران لتقديم تنازلات سريعة، مع الاحتفاظ بقرار التنفيذ الفعلي لما بعد صدور النتائج.
بناءً على الخطط الاستراتيجية المتداولة في الأوساط العسكرية، فإن الأهداف المذكورة تمثل العصب الحقيقي لأي عملية عسكرية تهدف إلى شل القدرات الإيرانية بالكامل خلال حملة الـ 168 ساعة.
توزيع هذه الأهداف يوضح الرغبة في قطع أوصال الدولة داخلياً، وتحييد قدراتها الاستراتيجية، مع فرض سيطرة مطلقة على منافذ الطاقة العالمية. وتتوزع هذه الضربات والسيطرة الميدانية على النحو التالي:
- قطع الأوصال والعمق الداخلي (الجسور ومحطات الطاقة)
- تدمير الجسور الحيوية: يستهدف عزل المحافظات الإيرانية عن بعضها البعض، ومنع الحرس الثوري من نقل التعزيزات العسكرية، والصواريخ المحمولة، والمعدات اللوجستية بين القواعد العسكرية.
- ضرب محطات الطاقة: الهدف منه إدخال البلاد في ظلام دامس، وشل منظومات الاتصالات القيادية، وإيقاف المصانع العسكرية والمنشآت الحيوية عن العمل، مما يضع ضغطاً هائلاً على الجبهة الداخلية القيادية.
- تحييد الخطر الاستراتيجي (المفاعلات النووية)
- المنشآت النووية (مثل نطنز وفوردو): ستكون في مقدمة الأهداف عبر استخدام قنابل خارقة للمخابئ والتحصينات تحت الأرض (مثل قنابل GBU-57 الأميركية)، لإنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تأخيره لعقود، وهو الهدف الأسمى للولايات المتحدة وإسرائيل.
- السيطرة الاقتصادية وممرات الطاقة (نفط عبادان ومضيق هرمز)
- السيطرة على مصفاة ومنشآت نفط عبادان: تعتبر عبادان شريان الحياة الاقتصادي والتاريخي للنفط الإيراني. السيطرة عليها أو تدمير قدرتها على التصدير والتكرير يعني حرمان طهران من موردها المالي الأول لتمويل الحرب.
- تأمين والسيطرة على مضيق هرمز: هو الهدف الأكثر حرجاً لحماية الاقتصاد العالمي وطمأنة الشارع الغربي. ستتركز العمليات هنا على تدمير قواعد الزوارق السريعة الإيرانية، وتحييد الألغام البحرية، ونشر قطع بحرية أميركية وغربية لضمان تدفق النفط الخليجي دون انقطاع.
يُمثل سيناريو الرد الإيراني على دول الخليج في حال اندلاع المواجهة العسكرية الهاجس الأكبر والمحرك الأساسي للمخاوف الإقليمية والدولية ونعتقد أن طهران قد تنظر إلى استهداف منشآت الطاقة والمواقع الحيوية في دول الجوار كخيار لـ “الانتقام الأخير” وورقة الضغط القصوى لقلب الطاولة وصناعة معادلة رعب متبادل.
وتتوزع ملامح هذا السيناريو الاستراتيجي على النحو التالي:
- استراتيجية “الكل خاسر” وتدمير البنية التحتية للطاقة
- استهداف المنشآت النفطية والمائية: تدرك طهران أن توجيه ضربات صاروخية وبالمسيّرات نحو مصافي النفط الكبرى، محطات إسالة الغاز، ومحطات تحلية المياه الحيوية في الخليج سيؤدي إلى شلل اقتصادي فوري وإقليمي.
- الضغط على الاقتصاد العالمي: يهدف هذا “الانتقام الأخير” إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ما ينقل عبء الحرب وكُلفتها مباشرة إلى الشارع الأميركي والغربي الذي تحاول واشنطن طمأنته.
- تفعيل شبكة “حرب الوكلاء” الإقليمية
- الهجمات متعددة الجبهات: لن يقتصر الرد الإيراني على إطلاق الصواريخ من داخل أراضيها فقط؛ بل سيعتمد السيناريو على تفعيل أذرعها في المنطقة (في اليمن، العراق، ولبنان) لشن هجمات متزامنة ومكثفة لتشتيت المنظومات الدفاعية الغربية والخليجية (مثل منظومات باتريوت وثاد).
- إغلاق ممرات الملاحة: إلى جانب مضيق هرمز، قد يمتد التصعيد لتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لفرض حصار بحري شامل على طرق التجارة العالمية.


























