بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تُعد اليمن ساحة صراع استراتيجي وحربي بالوكالة بين إيران والسعودية، حيث تمثل بالنسبة للرياض عمقاً أمنياً لا يمكن التفريط فيه، بينما تراها طهران ورقة ضغط حيوية وممرًا للإشراف على الملاحة الدولية وباب المندب.
تفاصيل هذا الصراع عبر الأبعاد التالية:
جذور الصراع وأبعاده
- العمق الأمني السعودي: تعتبر السعودية استقرار اليمن خطاً أحمر نظراً للحدود المشتركة الطويلة والتهديدات المباشرة من الجماعات المدعومة إيرانياً.
- الورقة الإيرانية: تستثمر إيران في دعم جماعة أنصار الله (الحوثيين) كجزء من استراتيجيتها لتوسيع نفوذها الإقليمي وتهديد خطوط التجارة ومضيق باب المندب.
- أقلمة الصراع: تحولت الخلافات المحلية في اليمن إلى نزاع إقليمي مسلّح مع انطلاق عمليات تحالف دعم الشرعية في عام 2015، ما أدى إلى دمار هائل في البنية التحتية وأزمة إنسانية عميقة.
مسارات التهدئة والتطورات الأخيرة
- المفاوضات والتقارب: شهدت الفترة السابقة محادثات سلام ثنائية برعاية سلطنة عُمان والأمم المتحدة، بالتزامن مع الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية في مارس 2023 لإنهاء قطيعة دامت سنوات.
- هشاشة الهدنة: على الرغم من تراجع العمليات القتالية الكبرى سابقاً، تشهد الجبهات اليمنية توترات متراكمة واشتباكات متجددة واستهدافات متبادلة، وسط مخاوف من انهيار التهدئة الإقليمية واتساع دائرة الصراع البحري والاقتصادي.
يشهد الصراع اليمني انهياراً كاملاً للهدنة الهشة وعودة إلى المواجهات العسكرية الشاملة، في تصعيد وُصف بأنه الأشد منذ سنوات ولعل أبرز المستجدات والتطورات الميدانية والسياسية اليوم وأبعادها الإقليمية تتمحور حول النقاط التالية:
- المستجدات الميدانية والعسكرية المتسارعة
- السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب: حقق الحوثيون تقدماً عسكرياً خاطفاً وسيطروا فعلياً على مدينة المخا الإستراتيجية وبلدة ذوباب وجزيرة ميون (بريم) الواقعة في قلب مضيق باب المندب، مما يمنحهم إشرافاً وقبضة مباشرة على الساحل الغربي لليمن وواحد من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
- اشتعال الجبهات الداخلية: امتد القتال العنيف ليشمل جبهات واسعة في تعز، والحديدة، ومأرب، والجوف، والبيضاء، وتزامن ذلك مع موجة نزوح جماعي ضخمة لعشرات الآلاف من المدنيين.
- تجدد الهجمات على السعودية: شنّ الحوثيون ضربات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت حيوية وأعياناً مدنية في جنوب المملكة (مثل أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران)، فيما رد الطيران السعودي بغارات جوية استهدفت تحركات الجماعة.
- الأبعاد السياسية والتحركات الإقليمية والدولية
- الدور الإيراني المباشر: تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن هذا الهجوم الواسع جاء بتوجيه مباشر وضغط من الحرس الثوري الإيراني بهدف فتح جبهة جديدة وتخفيف الضغط عن طهران في صراعها الإقليمي والدولي، وهو ما انعكس في ترحيب مستشاري القيادة الإيرانية بما وصفوه “الانتصار الكبير” في باب المندب.
- الاستنجاد والتحرك الأمريكي: طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعدة عسكرية مباشرة للتصدي للهجوم ، بينما أبدت واشنطن تحفظها على التدخل العسكري المباشر، حيث قامت بتوسيع نطاق دعمها الاستخباراتي وتحديد الأهداف للجيش السعودي، مع زيارة عاجلة لقائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إلى الرياض.
- الوساطة الإقليمية والتحذيرات: تقود باكستان وسلطنة عمان تحركات دبلوماسية مكثفة؛ حيث نقلت إسلام آباد تحذيرات واضحة لطهران بضرورة كبح جماح الحوثيين لتفادي انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، بالتوازي مع ترتيبات لعقد اجتماع خليجي-إيراني طارئ في عُمان لمناقشة أمن الممرات البحرية.
- أبعاد وأهداف هذا التصعيد
- خنق الممرات البحرية: بعد الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز بسبب الصراع المحيط بإيران، تسعى طهران عبر الحوثيين إلى إحكام قبضتها على مضيق باب المندب والبح الأحمر كأداة ضغط استراتيجية قصوى لقطع أو تهديد إمدادات الطاقة العالمية والتجارة الدولية.
- إعادة رسم موازين القوى: يهدف الحوثيون من خلال فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض إلى تقويض شرعية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وعزل خصومهم، لرفع سقف مطالبهم وتحسين شروطهم التفاوضية في أي تسوية مستقبلية.
- تهديد الأمن القومي السعودي: تحاول إيران تحويل اليمن مجدداً إلى منصة استنزاف مباشر للمملكة، واستخدام أمن المنشآت السعودية كورقة مساومة في ملف الصراع الإقليمي الأوسع.
النتائج والتوقعات
تتأرجح التوقعات المستقبلية للمعارك الدائرة في اليمن بين سيناريوهات قاسية ترتبط مباشرة بمدى اتساع رقعة الصراع الإقليمي وصراع الإرادات بين القوات الحكومية وحلفائها من جهة، وجماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا من جهة أخرى وبناءً على التطورات العسكرية الأخيرة والسيطرة الحوثية على مضيق باب المندب، يمكن تلخيص أبرز السيناريوهات والتوقعات القادمة في ثلاثة مسارات رئيسية:
- السيناريو الأول: الهجوم الحكومي المضاد واستنزاف الحوثيين في “صندوق القتل” (الأكثر ترجيحاً ميدانياً)
* التمهيد لمعركة المخا والساحل: بدأت القوات الحكومية بالفعل قصفاً جوياً ومدفعياً مكثفاً على مواقع الحوثيين في محيط المخا والساحل الغربي، في منطقة أعلنتها كـ “منطقة قتل” محظورة لاستهداف تعزيزات الجماعة وتحركاتها.
* تغير تكتيك القوات الحكومية: يرى المحللون العسكريون أن دخول سلاح الطيران المسيّر الحكومي بكثافة وتوحيد القرار العسكري تحت قيادة مجلس الرئاسة قد يُمكّن القوات الحكومية من التحول من الدفاع إلى الهجوم المضاد الشامل في جبهات حيس، والجوف، والبيضاء، وتعز، مما قد يجبر الحوثيين على التراجع وتشتيت قواتهم.
* النزيف البشري والاقتصادي للحوثيين: تعاني مناطق الحوثيين من أزمة اقتصادية خانقة ونقص سيولة حاد. ومع امتلاء مستشفيات صنعاء بمئات الجرحى القادمين من جبهات الساحل، قد لا تتمكن الجماعة من الصمود طويلًا في حرب استنزاف برية وجوية مفتوحة.
- السيناريو الثاني: الانزلاق نحو حرب شاملة ومباشرة مع السعودية
* معادلة الردع بالقوة: لا يمكن للمملكة العربية السعودية القبول بفرض الحوثيين لسياسة الأمر الواقع على حدودها وتغيير موازين القوى قرب باب المندب. إذا استمر الحوثيون في قصف المنشآت الحيوية في جنوب المملكة (مثل منشآت أرامكو وأبها وجازان)، فإن ذلك سيدفع الرياض مرغمة إلى تفعيل استراتيجية عسكرية أوسع.
* توسيع العمليات الجوية: رداً على الهجمات الأخيرة، شن الطيران السعودي عشرات الغارات الجوية المكثفة على جبهات مأرب والجوف والحديدة. تشير التوقعات إلى أن السعودية قد تضطر إلى قيادة حملة جوية شاملة وإمداد نوعي وغير محدود للقوات الحكومية لفرض معادلة ردع جديدة بالقوة.
- السيناريو الثالث: التدويل الكامل للممر المائي والتدخل الدولي لفك الحصار
* باب المندب كخط أحمر دولي: سيطرة الحوثيين على بلدة ذوباب وجزيرة ميون (بريم) تضع خطوط الملاحة الدولية للبحر الأحمر وقناة السويس تحت التهديد المباشر. هذا التحول قد يخرج المعركة من إطار الصراع اليمني الداخلي ليصبح مواجهة إقليمية ودولية لحماية الطاقة والتجارة العالمية.
* التحرك العسكري الأمريكي-الغربي: مع زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) العاجلة للرياض للتنسيق الميداني، يتوقع خبراء الأمن حدوث تصعيد بحري تشارك فيه القوات الدولية لفك الحصار عن الجزر المحاصرة (مثل جزر حنيش) وتأمين مضيق باب المندب عسكرياً لمنع طهران من استخدام الحوثيين كورقة مساومة إقليمية.
* المؤشرات الحالية: تؤكد أن معادلة “اللاحرب واللاسلم” قد انتهت تماماً، واليمن يتجه في الأيام والأسابيع القادمة نحو مواجهة عسكرية أشد عنفاً وكثافة، حيث يسعى كل طرف لفرض شروطه الميدانية بالكامل قبل التفكير في أي مسار سياسي أو وساطة إقليمية جديدة.






















