بقلم: د بندر عباس اللامي
في غمرة الأزمات المتراكمة المصطنعة التي تعصف بالعراق منذ ٢٤عاما يعود إلى الواجهة سؤال جوهري يتردد صداه في الشارع العراقي وعلى منصات التواصل الاجتماعي: ما الجدوى من بقاء مجلس النواب؟هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش سياسي نخبوي بل تحول إلى مطلب شعبي متصاعد يطالب بإلغاء أو حل هذا المجلس الذي يراه الكثير من العراقيين كحلقة زائدة استنزفت ثروات البلاد دون تقديم حلول ملموسة لمشاكل المواطن اليومية.
أولاً: امتيازات خيالية مقابل خدمات غائبة
المحرك الأساسي لهذا المطلب الشعبي هو الفجوة الطبقية الهائلة بين المواطن البسيط والطبقة السياسية. ففي بلد يعاني فيه غالبية شعبه من الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والرعاية الصحية وتخلف التعليم يتقاضى أعضاء البرلمان رواتب ومخصصات فارهة تضاف إليها امتيازات الحمايات والتقاعد والسيارات المصفحة. يرى الشعب العراقي في هذه الامتيازات شرعنة لنهب المال العام حيث يُكافأ النائب بمبالغ خيالية مقابل جلسات غالباً ما تعطلها الخلافات السياسية وتفتقر إلى النصاب القانوني.
ثانياً: برلمان السلطة ومكوناتها لا برلمان الشعب
منذ عام 2003 تأسست العملية السياسية في العراق على نظام “المحاصصة الطائفية والحزبية”. وبدلاً من أن يكون البرلمان ساحة لتمثيل مصالح الشعب ككتلة واحدة تحول إلى منبر لتمرير صفقات الأحزاب وتوزيع المغانم بين الكتل السياسية. القوانين المهمة التي تلامس حياة المواطن وحقوقه تُعرقل لسنوات بسبب الصراعات الحزبية بينما تمرر القوانين التي تخدم مصالح النخبة الحاكمة بسرعة قياسية. هذا الأداء جعل المواطن يشعر بالاغتراب التام عن هذا المجلس وبأن صوته في الانتخابات لا يغير من الواقع شيئاً.
ثالثاً: العجز التشريعي والرقابي
يُفترض بالبرلمان أن يمارس دورين رئيسيين: التشريع والرقابة على أداء الحكومة. لكن التجربة العراقية أثبتت عجز المجلس عن محاسبة الفاسدين الكبار نظراً لأن المحاسبة غالباً ما تصطدم بالخطوط الحمراء للأحزاب والحمايات المتبادلة بين الكتل. أما التشريع ؟! فقد ظل قاصراً عن مواكبة تطلعات الشباب العراقي الذي خرج في احتجاجات تشرين عام 2019 مطالباً بتغيير جذري لشكل النظام السياسي.
رابعاً:بين الواقع الدستوري القاصر والإرادة الشعبية
من الناحية القانونية والدستورية (الدستور المعوق)قد يبدو إلغاء مجلس النواب أمراً معقداً، إذ يتطلب تعديلاً دستورياً أو حل البرلمان لنفسه وفق المادة 64 من الدستور العراقي للدعوة إلى انتخابات مبكرة. لكن رفع هذا الشعار بقوة من قبل المواطنين يحمل رسالة سياسية بليغة: الشرعية تولد من إرادة الشعب وعندما يعجز البرلمان عن تمثيل هذه الإرادة فإنه يفقد مسوغ وجوده الأخلاقي والشعبي.
ويرى مراقبون أن الدعوة لإلغاء البرلمان هي تعبير عن الرغبة في الانتقال إلى نظام حكم أكثر فاعلية وأقل كلفة، مثل النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي، الذي يقلص من سلطة الأحزاب ويسرع عملية اتخاذ القرار، بعيداً عن التعطيل البرلماني المستمر.
خامساً: صرخة شعبية من أجل المستقبل
إن مطلب إلغاء مجلس النواب العراقي ليس مجرد انفعال لحظي ؟! بل هو نتاج سنوات من الخيبة المتراكمة. إنه صرخة شعب يريد استعادة دولته وثرواته المهدورة. وعلى أصحاب القرار في العراق أن يدركوا أن غضب الشارع وتذمره، اللذين يعبر عنهما المواطنون يومياً في الساحات والمواقع الرقمية هما جرس إنذار حقيقي !!!فإما إصلاح هيكلي شامل يبدأ بإنهاء الامتيازات وتفعيل الرقابة الحقيقية !وإما أن الطوفان الشعبي القادم قد يطيح بالعملية السياسية برمتها.




























