بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
البحرين دولة صغيرة جغرافيًا، لكنها تشكل ثقلاً جغرافياً وأي اضطراب أمني فيها يخلق صدى سياسي وإعلامي واقتصادي أكبر من حجمها ، ماجعلها ورقة استراتيجية لتعزيز نفوذها في الخليج العربي، وتتركز أهميتها في ملفات أمنية ومذهبية وجيوسياسية ، ولهذا يركز الاهتمام الإيراني على البحرين لأسباب استراتيجية وجيوسياسية وعسكرية متداخلة، حيث تُعد البحرين نقطة ارتكاز أمريكية رئيسية في الخليج العربي، وتهدف طهران من استهدافها إلى ضرب الوجود العسكري الغربي بشكل مباشر، إضافة إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية ضمن صراع النفوذ في المنطقة ، حيث تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس التابع للولايات المتحدة الامريكية ، ما يجعلها في نظر طهران منصة متقدمة للنفوذ الأمريكي في الخليج، وبالتالي هدفًا ذا قيمة ردعية ورمزية جعلها جزءاً من شبكة الأهداف المرتبطة بالقواعد الأمريكية في الأزمة الحالية ، اضافة الى الحساسية الداخلية البحرينية المتمثلة بالتركيبة الاجتماعية والسياسية ، وأي تصعيد إقليمي قد يزيد الاستقطاب الداخلي ، وساحة يمكن أن تؤدي فيها الحرب الخارجية إلى ضغط داخلي متزامن وربما الملفت للنظر، ان البحرين تُعد من أكثر دول الخليج وضوحًا في اصطفافها الأمني مع واشنطن وشركائها الإقليميين، ما يجعلها في الخطاب الإيراني جزءًا ممايعرف بـ(منظومة الاحتواء) ولهذا ان استهداف البحرين لا يُقرأ فقط كرسالة إلى المنامة فقط وانما الى المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية وبقية دول مجلس التعاون وأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها.
الخلايا النائمة وقوة تأثيرها
ان بيان وزارة الداخلية البحرينية الذي اعلن فيه عن كشف تنظيم مرتبط الحرس الثوري الإيراني ، قد اماط اللثام عن طبيعة العمل التنظيمي للشبكة التي تكونت من 41 شخصًا متهمون بتشكيل “الهيكل الرئيسي” للتنظيم، معززة بشبهات تتعلق بالتجس والتواصل مع جهات أجنبية، ودعم ما وصفته المنامة بالعدوان الإيراني ، طبقاً للبيانات المتداولة إلى ارتباط الشبكة بفكر ولاية الفقيه ، مايعني تحليليلاً على المستويين السياسي والأمني الى الانتقال من مستوى الأفراد إلى مستوى التنظيم ، خصوصاً وان البيان الرسمية لوزارة الداخلية البحرينية لم يتحدث هذه المرة عن مشتبهين أو خلايا منفردة وانما تحدث عن تنظيم رئيسي وهذا يوحي إذا ثبت قضائيًا بوجود بنية تنظيمية متكاملة من حيث التمويل والاتصالات والمهام المتنوعة الموزعة جغرافياً ، هذا يعني أن التهديد أصبح داخليًا وخارجيًا معًا كونه مرتبط بشكل مباشر بالحرس الثوري ، ماجعل المملكة البحرينية لاترى هذا العمل يدخل في اطار التعاطف السياسي وانما اختراقًا أمنيًا له امتدادات خارجية ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان التوقيت ليس عابرًا ، بل جاء وسط التصعيد الإقليمي والاحتكاك الأمريكي – الإيراني في الخليج.
ابعاد هذه الرسالة لم تكن موجهة للبحرين فقط وانما إلى بقية دول الخليج و تحليليًا ، إذا ثبتت الاتهامات بالكامل، فهذا يعني أن إيران او أطراف مرتبطة بها تحاول فتح مايعرف بالجبهة الخامسة أو الطابور الخامس وهي ليست عسكرية مباشرة، بل استخباراتية من الداخل عبر جمع معلومات عن منشآت حيوية أو تحركات عسكرية أو خلق ضغط نفسي وسياسي وإذا ربطنا الإعلان الرسمي عن كشف التنظيم المرتبط بالحرس الثوري الايراني ، فهناك عدة تفسيرات محتملة تجعل التوقيت بحد ذاته رسالة استراتيجية تتمثل برفع أوراق الضغط الايرانية قبل أي تفاهم مع واشنطن وقد يُنظر الى هذه الورقة كنفوذ غير مباشر تُستخدم لإظهار أن الضغط على إيران قد يقابله ضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها ولعل استضافة البحرين للاسطول الخامس التابع للبحرية الامريكية يجعل أي نشاط استخباري داخلها ذا قيمة كبيرة سواء لمراقبة التحركات البحرية في الخليج أو لجمع معلومات عن الانتشار العسكري الأمريكي ولهذا نرى اي ارتفاع لوتيرة التوتر في مضيق هرمز ، يجعل دول الخليج العربي مسرحاً لعمليات الردع الايرانية ورغم عدم وقوع البحرين بشكل مباشر على المضيق ، الا انها تقع ضمن شبكة القيادة والدعم اللوجستي البحري قد ينقل المواجهة من الرد الخارجي إلى الضغط الداخلي وهذا الاجراء يستخدم عادة من قبل الدول عندما تصبح المواجهة العسكرية المباشرة مكلفة ، ناهيك عن جمع المعلومات الأستخبارية ومراقبة منشآت الطاقة والموانئ وبناء شبكات تأثير محلية لخلق حالة من الضغط النفسي والأمني.
الخلاصة التحليلية
ما يحدث قد لا يكون مجرد ملف أمني محلي بحت ، بل جزء من معركة (تثبيت النفوذ مرتبط بالتسوية) من قبل إيران أو عبر أطراف مرتبطة بها ، مايعني أن نفوذها لا يقتصر على الوكلاء العسكريين، بل يمتد أيضًا إلى أدوات استخبارية داخل العمق الخليجي ، على اعتبار ان الصراع ليس بالضرورة أن يبدأ بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل من داخل الدولة المستهدفة عبر أدوات خفية من بينها الحرب السيبرانية التي تتعلق باختراق الشبكات الحكومية أو البنية التحتية الحساسة مثل الكهرباء أو الاتصالات وكذلك استخدام الحرب النفسية والإعلامية لنشر الشائعات وتضخيم الأحداث الأمنية أو عبر استهداف الثقة بالمؤسسات عبر المنصات الرقمية أو من خلال شبكات التمويل والإسناد اللوجستي ، مثل تحويل الأموال وتوفير أماكن آمنة لنقل المعدات أو تسهيل الاتصالات ومن منظور استراتيجي لايران ، ان البحرين ليست الهدف بحد ذاته ، بل رمز لثلاثة أمور مجتمعة بالوجود الأمريكي والتوازن الخليجي والهشاشة الجغرافية والسياسية وهذا ما يفسر التركيز عليها في أوقات التصعيد.




























