بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
ترتبط الأنباء والتقارير بالمفاوضات الجارية بشأن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى نيويورك؛ حيث كشفت مصادر سياسية قريبة من الملف أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب اشترطت إحراز تقدم حقيقي في ملف حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل المسلحة لإتمام اللقاء بين الطرفين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتتلخص أبعاد هذا الملف في النقاط التالية:
- الشرط الأمريكي: تشير التقارير إلى أن ترامب يتبنى موقفاً حازماً يرفض فيه استقبال أي رئيس حكومة “أخلف وعده” بشأن التعهدات السابقة المتعلقة بإنهاء ظاهرة الميليشيات ونزع سلاح الفصائل.
- الشرط الأمريكي : تشير التقارير إلى أن ترامب يتبنى موقفاً حازماً يرفض فيه استقبال أي رئيس حكومة “أخلف وعده” بشأن التعهدات السابقة المتعلقة بإنهاء ظاهرة الميليشيات ونزع سلاح الفصائل.
- المهلة المحددة: يواجه العراق استحقاقاً مهماً مع اقتراب موعد 30 سبتمبر، وهو التاريخ الذي كان محدداً مسبقاً لحصر السلاح.
يتفق معظم المراقبين والمسؤولين على أن سلطة اتخاذ قرار نهائي بنزع سلاح الفصائل لا تنحصر بيد رئيس الوزراء وحده، لذلك، يجد نفسه اليوم في موقف حرج؛ فهو لا يملك القرار الفعلي لتفكيك هذه الترسانات، ولكنه مجبر على مواجهة شروط الإدارة الأمريكية التي ترفض التسويف وتطالبه بالوفاء بالتزاماته ، نظراً لعدة عوامل سياسية وميدانية متشابكة ولهذا تعمل حكومة الزيدي على تأجيل الفترة التي حددها لعدة اسباب:
اسباب تاجيل حصر السلاح
- ارتباط القرار بطهران: تُجمع التقارير السياسية والاستخباراتية على أن الفصائل المسلحة الأساسية (مثل كتائب حزب الله والنجباء) ترتبط بقرار استراتيجي صادر من إيران؛ إذ تعتبر طهران هذا السلاح “خطاً أحمر” وأصلاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه بسهولة. وبالتالي، فإن الفصائل لا تطيع أوامر الحكومة العراقية بشكل كامل في هذا الملف.
- حدود التوافق داخل الإطار التنسيقي: يواجه التحالف السياسي الحاكم (الإطار التنسيقي) أزمة وانقساماً داخلياً حاداً؛ فاللجنة المشكلة للتفاوض مع الفصائل الرافضة للتسليم لا تملك رؤية أو قراراً موحداً، ما يجعل قدرة الزيدي على فرض القرار سياسياً شبه مكبلة.
- تجنب الصدام العسكري الداخلي: أعلن الزيدي بوضوح رفضه التام للدخول في أي مواجهة مسلحة مع هذه الفصائل. وبما أنه يفتقر إلى القدرة على استخدام القوة لإنفاذ التعهد، فإنه يعتمد كلياً على “الحوار والحلول الدبلوماسية المستمرة”، وهو مسار طويل وبطيء.
- بين الوعود المسبقة والواقع: العقدة الأساسية تكمن في أن الزيدي كان قد قطع وعداً صريحاً أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليو الماضي بأن تاريخ 30 سبتمبر سيكون الموعد النهائي لحصر السلاح.
في الواقع السياسي والأمني المعقد للعراق، لا يوجد فرد واحد أو جهة محلية بمفردها تملك “القرار الفعلي المطلق” لنزع السلاح؛ بل يتوزع مركز القرار الحقيقي بين ثلاثة أطراف رئيسية تتحكم في مصير هذه الترسانات:
- القيادة العليا في طهران (الحرس الثوري الإيراني)
تُجمع الأوساط السياسية والميدانية على أن القرار الاستراتيجي النهائي بيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحديداً قيادة فيلق القدس في الحرس الثوري. نظراً لأن الفصائل المسلحة الأساسية (مثل كتائب حزب الله والنجباء) تُمثل جزءاً حيوياً من “محور المقاومة” الإقليمي، فإن طهران ترى في هذا السلاح وسيلة دفاعية هامة، لا سيما في ظل المواجهات الإقليمية الجارية وضغوط إدارة ترامب. بالتالي، لن يخرج السلاح من يد الفصائل إلا بضوء أخضر أو تسوية مباشرة تشمل طهران.
- قادة الفصائل المسلحة وزعماء “الإطار التنسيقي“
القرار التنفيذي على الأرض تتقاسمه القيادات الميدانية والسياسية للفصائل ، تشكّلت لجنة ثلاثية تضم أقطاباً بارزين في الإطار التنسيقي (مثل نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني) لإدارة التفاوض. هذه القيادات هي التي تقرر ما إذا كانت ستمتثل جزئياً لخيارات مثل “خزن وتنظيم السلاح” تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي الرسمية، أو ستتمسك برفض التسليم الكامل استناداً إلى نفوذها البرلماني والمالي والمؤسساتي داخل الدولة العراقية.
- الإدارة الأمريكية (عبر أدوات الضغط المالي والعسكري)
رغم أن واشنطن لا تملك السلاح، إلا أنها الطرف الذي يملك فرض قرار نزعه بالقوة غير المباشرة. من خلال اشتراطات قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية شاملة على النظام المالي العراقي، تضع واشنطن بغداد أمام خيارين: إما تفكيك الفصائل أو مواجهة الشلل المالي.
النتائج والتوقعات
شهدت الساحة السياسية والأمنية في العراق تحولاً دراماتيكياً وتراجعاً رسمياً عن فكرة الحسم المباشر لنزع السلاح بحلول الموعد المقرر؛ حيث أفرزت اللقاءات والمفاوضات الأخيرة المعطيات والنتائج الحالية والتوقعات المستقبلية التالية:
أولاً: النتائج الحالية على الأرض (واقع ملف السلاح)
* إلغاء السقف الزمني المفتوح: هناك تراجع واضح عن التصريحات السابقة، نفى قاسم الأعرجي، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية، وجود أي سقف زمني محدد أو مهلة نهائية لعمل لجنة حصر السلاح. وأكد أن موعد 30 سبتمبر/ أيلول يخص حصراً اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي وليس نزع السلاح.
* انقسام الفصائل: انقسمت الفصائل إزاء الاستحقاق؛ حيث وافقت مجموعات مثل “عصائب أهل الحق“ و*”كتائب الإمام علي”* و*”سرايا السلام”* على تسليم مقارها وسلاحها وتفكيك ارتباطها. في حين رفضت الفصائل الأكثر قرباً من طهران ( مثل كتائب حزب الله، حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء) تسليم ترسانتها بالكامل.
- تعديل الاستراتيجية الحكومية: تحولت لغة حكومة علي فالح الزيدي من “مصادرة وحصر السلاح” إلى “تنظيم السلاح وخزنه” كصيغة تسوية لتجنب الاصطدام العسكري. وتعمل وزارة الداخلية حالياً على مشروع بديل يتضمن تسجيل نحو 6 ملايين قطعة سلاح خفيف للمواطنين والجهات الرسمية خلال الأشهر المقبلة كجزء من الهيكلة.
ثانياً: التوقعات والسيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة
وفقاً لتقارير مراكز الأبحاث ومصادر التفاوض في بغداد، فإن تمديد المهلة يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- تنظيم السلاح تحت مظلة الحشد: الأرجح والأنسب سياسياً ، دمج الفصائل الرافضة ضمن الهياكل القيادية الرسمية لهيئة الحشد الشعبي، مع تسليم الأسلحة الثقيلة “الديناميكية” (مثل الطائرات المسيرة والمسيرات بعيدة المدى والصواريخ) إلى مخازن تسيطر عليها الدولة، أو خزنها مؤقتاً في إيران.قد تقبل واشنطن بهذا الحل “مرحلياً” كخطوة لخفض التصعيد الإقليمي، بشرط ضمان وقف الهجمات ضد مصالحها.
2. تجميد السلاح لمدد طويلة: طرح صيغة تفاوضية تقضي بـ “تجميد استخدام السلاح” لفترة تتراوح بين عامين إلى 4 أعوام (وفق الرؤية الإيرانية لحماية الفصائل)، وتحويل تاريخ 30 سبتمبر من موعد نهائي إلى نقطة انطلاق لمسار تفاوضي طويل الأمد.سترفض إدارة ترامب هذا المقترح، وتعتبره نوعاً من المماطلة والتسويف، ما قد يعطل لقاء الزيدي بترامب في نيويورك أو يحد من نجاحه الاستثماري.
3. الصدام وعقوبات الخنق المالي: وهو الأخطر في حال إصرار الفصائل المتشددة على الاحتفاظ بسلاحها وتطويره خارج الدولة، مع فشل حكومة بغداد في فرض هيبة القانون، ما يحول حاملي السلاح غير الشرعي (قانونياً) إلى ملاحقين بتهم “الإرهاب”.فرض عقوبات اقتصادية أمريكية صارمة على النظام المالي والمصرفي العراقي، وتقييد حركة الأموال والنفط العراقي، مما يضع اقتصاد البلاد تحت ضغط غير مسبوق.



























