بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
وصفَ خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه مرافعة تاريخية اتسمت بالجرأة والشجاعة والوضوح التام ، فقد تجاوز جلالته العبارات الدبلوماسية التقليدية ليضع المجتمع الدولي مباشرة أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه أزمات المنطقة وقد تجلت شجاعة الموقف الملكي وجرأته في عدة جوانب رئيسية:تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية: لم يتردد الملك في وصف الأفعال الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها محاولة صريحة لمحو الوجود الفلسطيني، منتقداً “العجز الدولي والصمت الذي يُعامل كل انتهاك جديد وكأنه أمر مؤقت وأن المملكة لن تتهاون أو تشيح بنظرها عن أي تهديد يمس مصالح شعبها خصوصاً في الربط بين غزة والضفة الغربية وكشف الخطاب زيف المحاولات الدولية للفصل بين الملفين، مؤكداً أنهما وجهان لاستراتيجية واحدة تستهدف الحقوق الفلسطينية وتدفع باتجاه التهجير القسري وانتقاد غياب الإرادة السياسية العالمية: وجّه جلالته نقدًا لاذعًا للمجتمع الدولي، موضحاً أن المشكلة ليست في نقص القرارات أو الأدوات (مثل العقوبات)، بل في غياب الإرادة لتنفيذها، ما جعل القرارات الدولية مجرد “حبر على ورق” ، لقد حظي هذا الموقف الشجاع باعتزاز شعبي واسع داخل الأردن تُرجم في فخر الأردنيين بـ”صوت الحق” الذي يمثله ملكهم في المحافل الدولية.
خطاب تاريخي من قائد لا يساوم! الملك عبدالله الثاني يضع النقاط على الحروف من منبر الأمم المتحدة ويعلنها للعالم أجمع: أمن الأردن القومي ومصالح شعبه خط أحمر لا تهاون فيه، يدٌ ممدودة بالسلام وعينٌ تحمي الحدود وتحفظ العهد ، كالعادة صوت الأردن هو صوت الحق والكرامة المستند إلى تلاحم الشعب والقيادة ، في زمن عزّت فيه كلمة الحق، وقف الملك عبدالله الثاني ليكون صوت الأمة العربية النابض بالعدالة ، خطاب كشف زيف السياسات الدولية وعرّى ‘العدالة الانتقائية’ أمام العالم ، عندما يتحدث الأردن، يتحدث بالنيابة عن حقوق الشعوب وحريتها وكرامتها الإنسانية التي لا تتجزأ.
ان رسالة الملك عبدالله الثاني المدوية في نيويورك وضعت المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة والقوة العسكرية لن تصنع سلاماً، والقانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائياً فالموقف الأردني يثبت دائماً أنه السند الحقيقي لقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
تميز خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجمعية العامة للامم المتحدة بعبارات قوية ومؤثرة تداولتها وسائل الإعلام العالمية تركزت على النقاط التالية:
السيادة والأمن القومي الأردني
- بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي.
- لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.”
- تمسكنا بالدبلوماسية لا يعلو على التزامنا بالقيم الإنسانية، ولا ينبغي لأحد اعتباره أمراً مسلّماً به، أو إساءة تقديره على أنه ضعف.
نقد تقاعس المجتمع الدولي والعدالة الانتقائية
- لقد حان الوقت ليواجه العالم حقيقة ما يحدث، فحين لا تعكس الكلمات فداحة الأفعال، يصبح غير المقبول مألوفاً.
- الواقع الأليم هو أن بعض الشعوب هي فعلياً فوق القانون الدولي، وأن العدالة الدولية تنصاع للقوة، وأن حقوق الإنسان انتقائية.
- لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم.
- المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً.
حقيقة القوة العسكرية والسلام
- لا يمكن للقوة العسكرية أن تقدم حلولاً فاعلة؛ فهي لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام.
- إذا لم نكن أمماً متحدة بالقناعة والإيمان بأن جميع البشر متساوون في الحقوق والكرامة والقيمة.. فما هو العالم الذي نختاره لأنفسنا؟
صوت الحق في المحافل الدولية
لم يكن الملك عبد الله الثاني يوماً للأردن وحده، بل كان وما زال الصوت العربي الأقوى والأكثر ثباتاً في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حاملاً لواءها في كل منبر دولي وحامي المقدسات وأمين الأمة: ويتجلى الشرف الهاشمي في أبهى صوره من خلال الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، حيث يقف جلالته سداً منيعاً في وجه كل محاولات الطمس والتهويد، مدافعاً عن هوية المدينة المقدسة وعروبتها ومأوى الأحرار وسند الأشقاء ويسطر التاريخ للملك عبد الله الثاني مواقفه الإنسانية والقومية النبيلة، حيث فتح الأردن أبوابه لكل ملهوف، وبقي بتوجيهات ملكية سنداً دائماً للأشقاء العرب في أوقات المحن والأزمات، مجسداً أسمى معاني التضامن العربي.
ختاماً، أثبت الأردن بقيادته الهاشمية أنه كان وسيبقى صوت الضمير العربي الحي في كل المحافل ، إن الرسالة المدوية التي أطلقها جلالة الملك من فوق منبر الأمم المتحدة تعكس تطلعات كل إنسان شريف يرفض الظلم وازدواجية المعايير وإن هذا الخطاب ليس مجرد كلمات تُلقى في المحافل الدولية، بل هو وثيقة فخر وعهد متجدد بين شعب وفيّ وقائد هاشمي حكيم. نلتف اليوم جميعاً، أردنيين وعرباً، خلف هذه المواقف الشجاعة التي تعيد للحق هيبته وللأمة كرامتها ، سيبقى الأردن صخرة تتحطم عليها كل المؤامرات، وستبقى الراية الهاشمية خفاقة بالحق والعدل والسلام، حفظ الله الأردن، وشعبه العظيم، وقائده المفدى الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.


























