بقلم: د. هاشم الحمامي
مقدمة: الشرق الأوسط في قلب العاصفة
منذ عقود، لم يخلُ الشرق الأوسط من النزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية، لكن عام 2023 شهد تصعيداً غير مسبوق قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية في المنطقة. فمنذ هجوم 7 أكتوبر الذي نفذته حركة حماس ضد إسرائيل، تعيش المنطقة على وقع مواجهات متفرقة بين المحور الإيراني من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وبعد الهدنة المؤقتة في غزة، عاد الصراع إلى الواجهة، لكن هذه المرة بشكل أكثر اتساعاً، ليشمل جبهات متعددة، من اليمن إلى العراق.
ففي اليمن، استهدفت الولايات المتحدة مواقع الحوثيين بغارات مكثفة رداً على هجماتهم المتكررة على السفن التجارية في البحر الأحمر، متهمةً إيران بالوقوف خلفها. أما في العراق، فقد تصاعدت التحذيرات الأمريكية بعد رصد تحركات للفصائل المسلحة المدعومة من إيران، ما يضع الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة بين الضغوط الأمريكية والمطالب الإيرانية.
التوتر الإقليمي: تصعيد دون حلول دبلوماسية
شهدت الأشهر الأخيرة ضربات عسكرية متبادلة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، مع دخول لاعبين إقليميين على خط المواجهة. الولايات المتحدة، التي تُدير صراعاً متعدد الجبهات، لم تتردد في توجيه ضربات جوية ضد الميليشيات المدعومة من إيران، سواء في سوريا أو العراق، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني.
في العراق، تزايدت المخاوف من استغلال الفصائل المسلحة للأوضاع الإقليمية لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية. وقد رصدت تقارير استخباراتية أمريكية تحركات عسكرية مشبوهة لهذه الجماعات، مما دفع واشنطن إلى إرسال رسائل مباشرة إلى رئيس الوزراء العراقي، تطالبه بحل الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، محذرةً من عواقب وخيمة في حال استمرار التهديدات.
الضغوط الأمريكية: خيارات قاسية أمام بغداد
بحسب تقارير صحفية، فقد أجرى مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزيرا الخارجية والدفاع، اتصالات مكثفة مع الحكومة العراقية، مؤكدين ضرورة كبح جماح الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران. وأمام هذا التصعيد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة للضغط الأمريكي على العراق:
1. الخيار الاقتصادي: تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تعطيل الاقتصاد العراقي من خلال وقف تحويلات الأموال من البنوك الأمريكية إلى العراق. وبما أن بغداد تعتمد بشكل كبير على هذه التحويلات لدفع رواتب الموظفين الحكوميين، فإن أي قرار بتجميدها قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة تهدد استقرار الحكومة.
2. الخيار العسكري: لم تستبعد الولايات المتحدة اللجوء إلى الضربات الجوية لاستهداف مقرات ومراكز قيادة الفصائل المسلحة في العراق، وهو ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من العنف داخل البلاد، خاصة إذا ردّت هذه الفصائل بهجمات مضادة.
3. الخيار الدبلوماسي: قد تسعى واشنطن إلى الضغط على الحكومة العراقية لإصدار قرارات تدريجية تحد من نفوذ الميليشيات، مثل تقليص تمويلها أو إعادة دمج بعض عناصرها في الأجهزة الأمنية الرسمية، لتجنب المواجهة المباشرة.
الموقف الإيراني: حسابات معقدة في العراق
في المقابل، لا يبدو أن إيران ستتخلى بسهولة عن نفوذها داخل العراق. فبالنسبة لطهران، تُشكّل هذه الفصائل أداة استراتيجية مهمة في إطار “محور المقاومة“، الذي يشمل أيضاً حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وبحسب تقارير استخباراتية، فقد أوعزت إيران إلى قيادات هذه الفصائل بالاستعداد لأي تصعيد محتمل مع الولايات المتحدة، مما يجعل احتمالات المواجهة أكثر تعقيداً.
إيران تدرك أن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى رد فعل أمريكي قوي، لكنها تراهن على استمرار الضغط غير المباشر من خلال هجمات منخفضة الحدة ضد المصالح الأمريكية، على أمل إجبار واشنطن على إعادة تقييم استراتيجيتها تجاه إيران.
الميليشيات المسلحة أمام معضلة البقاء أو المواجهة
تواجه الفصائل المسلحة في العراق خيارين أحلاهما مرّ:
· الخيار الأول: تسليم السلاح والتفكك التدريجي: وهو أمر مستبعد حالياً، لأن هذه الفصائل لا تملك استقلالية القرار، بل تتلقى أوامرها من طهران. كما أن قادتها يخشون من الملاحقة القانونية أو الاستهداف الأمني إذا ما فقدوا قوتهم العسكرية.
· الخيار الثاني: المواجهة العسكرية مع القوات الأمريكية: وهو خيار يحمل مخاطر هائلة، خاصة أن واشنطن تمتلك قدرات استخباراتية وعسكرية متقدمة تسمح لها بتصفية القيادات الرئيسية لهذه الفصائل، كما حدث في استهداف قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس عام 2020.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تسعى الفصائل المسلحة إلى المناورة، عبر تصعيد محدود مدعوم من إيران، دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تهدد وجودها بالكامل.
انعكاسات الأزمة على الداخل العراقي
التوترات الحالية لا تهدد فقط الاستقرار الإقليمي، بل قد تكون لها تداعيات خطيرة على الوضع الداخلي في العراق. إذ أن أي تصعيد عسكري سيؤدي إلى:
1. تفكك الائتلاف الحكومي: في حال تصاعد الضغوط الأمريكية، قد تتزايد الانقسامات داخل الحكومة العراقية، خاصة بين القوى التي تدعم الفصائل المسلحة وتلك التي تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن.
2. اضطرابات شعبية: مع استمرار الأزمات الاقتصادية، فإن أي تصعيد جديد قد يدفع الشارع العراقي إلى التظاهر ضد الحكومة، مما يزيد من حدة التوترات الداخلية.
3. عودة الإرهاب: قد يستغل تنظيم داعش أو الجماعات المتطرفة الأخرى هذا التوتر لإعادة ترتيب صفوفه وتنفيذ هجمات تستهدف القوات الأمنية والمدنيين.
خاتمة: العراق أمام اختبار حاسم
تقف الحكومة العراقية اليوم أمام اختبار حاسم قد يحدد مستقبل البلاد لعقود قادمة. فإما أن تنجح في إدارة التوازن بين الضغوط الأمريكية والمطالب الإيرانية، أو أن تنزلق البلاد إلى دوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وفي ظل غياب حلول دبلوماسية واضحة، يبدو أن المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من التصعيد، سواء من خلال عقوبات اقتصادية قد تضرب العراق بشدة، أو من خلال عمليات عسكرية قد تجرّ البلاد إلى صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.
الأيام المقبلة وحدها ستكشف إن كان العراق قادراً على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، أم أنه سيظل ساحة صراع بين القوى الكبرى، كما كان الحال لعقدين مضت.





























