بقلم: تميم الاسدي
في بلد كالعراق، حيث ينهار فيه كل شيئ ومنه الإطار السياسي والأخلاقي باستمرار، وتُصاب الجماهير بالإحباط من النخب الحاكمة، تنشأ بيئة خصبة لخطابات شعبوية، تنقضّ على الواقع من دون أن تقدّم بديلاً حقيقيًا. من بين هذه الخطابات يبرز غالب الشابندر، الذي يقدم نفسه كمفكر، لكنه في الواقع يعكس نمطًا خاصًا من “الشعبوية العبثية” التي تستهلك وعي الجمهور دون أن تحرّكه نحو أي مشروع تحرري أو تغييري.
الشعبوية كإطار مفاهيمي
الشعبوية ليست مجرد شتيمة سياسية، بل نمط خطاب يقوم على تقابل ثنائي صارخ بين “الشعب الطاهر” و”النخب الفاسدة”.تقديم صاحب الخطاب على أنه صوت الحق الذي يكشف ما لا يريد الآخرون كشفه.توجيه النقد بشكل شامل دون تمييز، غالبًا بدون بدائل.
وهذا ما يجعل من الشعبوية سلاحًا خطابيًا قويًا ولكنه مدمّر فكريًا إن لم يُضبط بمنطق عقلاني أو مشروع تغييري حقيقي.
من هو غالب الشابندر؟
غالب الشابندر كاتب عراقي يفتقد الهوية الوطنية ….انطلق في بداياته ضمن تيار الإسلام السياسي، ينتمي إلى حزب الدعوة ثم تحوّل إلى ناقد له، ثم صار أقرب إلى نموذج “المثقّف العارف بكل شيء والناقم على كل شيء”.يتنقّل في مواقفه السياسية بسرعة، وغالبًا ما يُقدّم تحليلات انفعالية أكثر مما هي عقلانية.ويوظّف لغة درامية/شعبية تتوسل بالمأساة والقدَر، وتضفي على كلامه طابعًا خطابيًا مثيرًا لكنه هشّ فكريًا.ويرفض “كل الأطراف”، لكنه لا يُقدّم خارطة بديلة.
ومن خصائص خطابه الشعبوي الارتجال واللا منهجية أبرز ما يميّز خطابات الشابندر هو غياب المنهج التحليلي أو البنية الفكرية، لصالح التدفق العاطفي والكلام الارتجالي.
كذلك يمارس الشابندر المبالغة في جلد الذات الجماعية كثيرًا ما يتحدث عن “شعب فاشل” أو “أمة لا تستحق الحياة”، وهو ما يثير اليأس لا النقد البنّاء ونسى هنا انه ومن جاء معهم مع الاحتلال سبب كل هذه المصائب التي ألمت بالعراق واهله
تضخيم الذات لانه يطرح نفسه كمفكر متفوق على الجميع، وغالبًا ما يستخدم عبارات مثل:
“أنا الوحيد الذي حذّر… أنا قلتها قبل الجميع…”الشتم المُقنّع بالتنظير فهو يسخر من التيارات السياسية والأفراد دون تمييز، بلغة شعبية جارحة، دون أن يقدم بديلًا علميًا أو حتى رؤية توجيهية.
ربما الشابندر كان محقا عندما وصف أحزاب العراق بانها لا تختلف عن العصابات، والناس صارت تحب جلادها، لأنه يطبطب عليها ويذبحها وهي ساكتة!”
اما من حيث التحليل اللغوي فإن استخدام التشبيه المباشر (العصابات، الجلاد) يعكس أسلوبًا فجًا في توصيف الواقع.اما من حيث التحليل النفسي فإنه ينتج شعورًا عامًا بالعار والاحباط، لكنه لا يفتح بابًا للفعل السياسي أو التنظيمي.وبالنتيجة يولّد السلبية القاتلة بدلًا من الوعي النقدي الفعّال.
التأثير على الوعي السياسي
فهذا النمط من الخطاب لا يساهم في التغيير بقدر ما يعزز ثقافة التذمر الدائم.واللامبالاة السياسية بحجة أن “الجميع سيئون”.
وهناك الشعبوية النخبوية، أي التي تتعالى على الناس باسم الدفاع عنهم.
إنه خطاب يحرق الوعي بدلًا من أن ينيره.
وهناك مقارنات شبيهة في مصر، نماذج مثل عبد الحليم قنديل أو توفيق عكاشة قدّمت الشعبوية بصيغ مشابهة: خطاب فوضوي، تحليلات مثيرة، لا مشروع.
في لبنان، نجد نماذج مثل شربل نحاس تقدم نقدًا حادًا، لكنها تختلف بامتلاكها أدوات فكرية وتنظيمية.
غالب الشابندر يمثل الوجه غير المؤسس للشعبوية العراقية المتخلفة نتاج مابعد الاحتلال (الصوت العالي بلا بنية.)
بعد أن أثقلتم بلدنا ٢٢سنة عجاف من كل ألوان التخلف بكل شيئ نحتاج في العراق إلى خطاب نقدي عقلاني لا شعبوي عبثي.فالمثقف الحقيقي ليس من يشتم الجميع بل من يفكك الظاهرة ويقترح بديلاً”.
إن التضخيم الإعلامي لأمثال الشابندر يُعيد إنتاج اللا وعي، ويقوّض أي أفق نهضوي حقيقي.
كفى ياغالب وامثالك هذا الخطاب الشعبوي الهدّام، نريد خطابًا نقديًا يبني الوعي ولا يستهلكه





























