بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
ما يطفو على السطح هو التخصيب ومخزون اليورانيوم، لكن هذه في الحقيقة أدوات قياس وليست جوهر المشكلة ولهذا ان موضوع التخصيب والمخزون مهمان جداً في العملية الحسابية لإنتاج السلاح النووي وهذا يعني كلما ارتفعت نسبة التخصيب تصبح إيران أقرب تقنيًا لإنتاج السلاح النووي وكلما زاد المخزون فذلك يعني قصر الوقت اللازم” للوصول إلى إنتاج القنبلة النووية وهذا ماتخشاه أمريكا واسرائيل ، لذلك الولايات المتحدة تركّز عليهما باعتبارهما مؤشر خطير ومباشر ولهذا نجد أن عقدت المفاوضات تكمن في هذا موضوع ما يجعل مشكلة الحل معقدة بالنسبة لإيران التي ترى موضوع التخصيب حق سيادي وتكنولوجي بينما تراه أمريكا يمثل تهديداً أمنياً ولهذا ان الرئيس ترامب حذر جداً من الوقوع في نفس الخطأ الذي ارتكبه باراك أوباما عام 2015 والذي كان نصه (تخصيب منخفض ومخزون محدد) وعندما اسقط الرئيس ترامب هذا الاتفاق ، سارعت إيران الى رفع التخصيب وزيادة المخزون.
أن مشكلة أمريكا ليست بالكمية فقط وإنما بالقدرة ، لان التخفيض لايهم بقدر مايعني الاحتفاظ بالمعرفة التقنية ، خصوصاً وأن اجهزة الطرد المركزي لدى ايران قد تطورت كثيراً ولهذا نجد الفجوة كبيرة بين واشنطن وطهران ، اي نعم ان التخصيب والمخزون هما “العنوان الظاهر” ولكن في الحقيقة هما مجرد واجهة لصراع أعمق حول الثقة والضمانات وحق إيران مقابل أمن أمريكا
من يثق بمن ليترك الميزان أصلاً؟
الخط الأحمر الحقيقي لدى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل دقيق وواقعي من جهة إيران هو وصولها إلى نقطة “القدرة على إنتاج سلاح نووي بسرعة كبيرة دون إمكانية إيقافها” إذا رفعت نسبة التخصيب الى معدلات تفوق الـ 70% ، مايعني كلما اقتربت إيران تقنيًا جدًا ، فذلك يعني انها قلّصت وقت الاختراق وهذا يعني الوقت الامثل لانتاج القنبلة النووية وحتى لو لم تصنع القنبلة فإن وجود المواد والقدرة فإنه يمثل تهديد فعلي حتى لو لم تعلن امتلاك سلاح نوويا لا أنها ا قتربت تقنيًا جدًا وقلصت وقت الاختراق وهذا يعني ان ايران باتت على “حافة الخط الأحمر” رغم عدم تجاوزه رسميًا ، ولهذا تتعمد ايران البقاء تحت الخط الأحمر كنوع من استراتيجية اللعب على الحافة ، من خلال المراوغة بعدم رغبتها على امتلاك السلاح النووي بالمقابل ترفع التخصيب وتزيد المخزون وتطور اجهزة الطرد المركزي دون الوصول الى معدل الـ 90% الهدف من ذلك الضغط دون إعطاء مبرر للحرب الفورية عليها ، وهذا يعني تقليص وقت اختراق الخط الأحمر لإنتاج القنبلة النووية دون الاعلان عنها وهذا مايعرف بالغموض الاستراتيجي لا تقول “نريد سلاحًا نوويًا ولا تثبت العكس بشكل كاملو هذا يربك الولايات المتحدة الامريكية في اتخاذ قرار الحرب أم ما زال هناك وقت للدبلوماسية؟ ولكن المهم في سياسة المد والجزر التي تستخدمها إيران إنها لا تريد (حالياً) القنبلة بقدر ما تريد القدرة على صنعها بسرعة وهذا يضعها في منطقة رمادية.
بمعنى ادق هي كالتي تمسك عود ثقاب وتقترب به من البنزين لكنها لا تشعله وتقول إذا ضغطتم أكثر… قد أشعله”
نقطة الخلاف
تسعى واشنطن الى تقييد تخصيب اليورانيوم ومنع اقتراب إيران من إنتاج سلاح نووي ،بينما طهران تقول إن برنامجها سلمي وترفض القيود الصارمة وهذا يجعل نقطة الخلاف الأساسي: كمنسبة التخصيب وكم عدد اجهزة الطرد المركزي.
أما فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية فإيران تطالب بـ رفع العقوبات بالكامل أو بشكل واسع ، بينما تريد أمريكا رفع تدريجي ومشروط مقابل التزام إيراني واضح ، اذن نحن أمام مشكلة انعدام الثقة وكل طرف يخشى ان يلتزم أولاً ، اما بموضوع لجان التفتيش والرقابة ، فان واشنطن تريد رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ،بينما ترفض إيران لجان التفتيشو تعتبره تدخلًا مفرطًا في سيادتها ، يضاف لنقاط الخلاف وكلاء ايران في المنطقة الذي تصر أمريكا على اضافة هذا الملف لبنود المحادثات بينما ترفض ايران ربط هذا الملف بالاتفاق النووي
هل يمكن أن تنجح المفاوضات؟
ينقسم الجواب بشقين: اولهما العامل الايجابي الذي يدفع الطرفين في تجنب التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية القوية على إيران والرغبة الأمريكية في تهدئة الملفات الخارجية وعامل سلبي يتمخض بالتجارب السابقة الفاشلة (انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني 2015) والتوترات في المنطقة والخلاف حول “من يبدأ أولًا”
النتائج والتوقعات:
نعتقد أن الجولة القادمة منالمفاوضات لن تنتج عنها اتفاقًا نهائيًا سريعًا، بل اتفاقاً مرحلياً أو جزئياً وهذا يعني حل مؤقت بدل من اتفاق شامل بمعنى ادق ، ستقوم إيران بتخفّيض مستوى تخصيب اليورانيوم ، مقابل قيام واشنطن بتخفيف بعض العقوبات (جزئيًا) مشروط برقابة محدودة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهذا هو الاسهل سياسيًا للطرفين كونه لا يحتاج الى تنازلات كبيرة.





























