بقلم: الدكتور شاكر الكبيسي
إنَّ الهدف الأسمى لنُظم الحكم والقائمين عليه هو تحقيق الأمن والرفاه والعدالة والمساواة لمواطنيها وتوفير أفضل الخدمات وأروعها مراعاة لوجودهم وحفظاً لكرامتهم ولكي تَتَّطلِع نُظُم الحكم بهذا الدور الفاعل لا بد من توظيف جميع القدرات والإمكانيات والموارد الوطنية لخدمة مواطنيها وتوسيع مشاركاتهم وفتح آفاق العمل بكل صنوفه أمامهم حتى يناولا رضاهُم والّا فلا مشروعية لنظام حكم قائم إن لم يحقق مصلحة مواطنيه فتبرز هنا علاقة تبادلية بين الطرفين تتحكم بحقوق كل منهما على الآخر فالطرف الأول هو الدولة وواجباتها ومؤسساتها التي وُجدت لخدمة مواطنيها وآمالهم وإستقرار أحوالهم وتأمين عيشهم بكرامة للوصول إلى القبول والمشروعية لديهم ونيل درجة الشرف والرشادة بحسن الإداء وصالح العمل الّذي يضمن إستمرارية النظام من عدمه أمّا الطرف الثاني فهو المواطن ودوره وفعالياته وحقوقه وواجباته وأمانيه ومن خلال العلاقة بين الطرفين تتضح طبيعة النظام السياسي فأمّا أن يكون نظاماً راشداً أو نظاماً فاسداً ومن خلال هذه العلاقة الديناميكية القائمة بين الرشادة ونظام الحكم القائم يظهر لنا مفهوم جديد يعرف بالحكم الراشد أو الحكم الصالح ورغم حداثة هذا المفهوم في الدراسات السياسية والإجتماعية لكن الأدبيات الإسلامية قد أشارت الى هذا المفهوم بوضوح للتفريق بين حكم البغي والضلالة كحكم فرعون وقارون وهامان والنمرود وحكم اليقين والعدالة والإيمان والبناء التنموي والإنساني في عهد الرسول الكريم محمد صلى عليه وسلم وحكم الخلفاء الراشدين من بعده رضي عنهم أجمعين الّذين ساروا على نهجه وتخرجوا من مدرسته العظيمة فأقاموا دولة العدالة النموذجية في التأريخ الإنساني قادت أقوام وأديان وقوميات وبلدان متنوعة الثقافات والأعراق والطوائف والشرائع حتى تحققت تحت حكمهم وزهدهم وأيمانهم الحكمة والعقلنة والنزاهة والمقدرة على قيادة نُظم سياسية دائمة التطور والعلو كانت سبّاقة على غيرها من الأمم عندما أوجدت مجتمعاً موحداً عادلاً قوياً متماسكاً تنطبق عليه المثالية السياسية بأبهى صورها وقادة عِظام سطروا أرقى القيم والمفاهيم والمعايير العقائدية والأخلاقية ونفذوا برامج سياسية وإقتصادية وتنموية رائعة بإيمانهم وزهدهم وتقواهم وورعهم حتى تحقق في حكمهم التأصيل المفاهيمي للرشادة السياسية منذ أكثر من 1400 عام والتي بشّرت بها البحوث والدراسات السياسية والإجتماعية الحديثة في التأريخ المعاصر عندما ظهرت الرشادة السياسية في سبعينات القرن الماضي فحملت معها عدد من المفاهيم السياسية التي طبقتها دولة الإسلام الأولى كالمشاركة السياسية والشفافية السياسية والمحاسبة والحكم العادل والمساهمة في صنع القرار والحريات المطلقة لأهل الذمة وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي يكفلها اليوم أي نظام ديمقراطي حديث إضافة إلى تفعيل دور المجتمع والنزاهة والعقلانية ومبدأ الشورى وبيت المال وغيرها من التوجهات التي لا حصر لها حتى تجسدت في حكم دولة الإسلام المعنى الواقعي والتطبيق الفعلي للرشادة السياسية التي تستند إلى دستور المدينة المنورة .
لقد حاول عدد من المفكرين والقادة السياسيين في أزمنة وعصور مختلفة إستغلال الدين والمقولات الدينية الشائعة فيه وتفسيرها بما يحقق غاياتهم وتسلطهم وسيطرتهم على عقول الناس مثلما نرى محاولات واضحة لبعض السياسيين والمنتفعين والعازفين على أوجاع المساكين من إستغلال الحكم والدين لمصالحهم الذاتية غير آبهين بمعاناة الناس وهمومهم كما إستغل اليهود من قبل قول المسيح عليه السلام (دع ما لقيصر لقيصر… وما لله لله ) للإيقاع به فهم قد حلّلوا هذه المقولة وفقاً لأهوائهم وإستغلالها أبشع إستغلال في محاولة لكسر شوكة المسيح ومحاربة شريعته وفرض أحكام دينه فهل يصـــح للدين أنْ يقف مكتوف الأيدي أمام مظالم َالحكام وتسلطهم؟ أليس الإستغلال إجحاف بحق الإنسان؟ فكيف يمكن السكوت أمام تعسف الدولة وجور حكامها وطغيان متنفذيها, لقد كان قول المسيح عليه السالم ( دع ما لقيصر لقيصر, وما لله لله ) قد تم تحريفه كما تُحرّف اليوم مفاهيم الدين وأحكام الشريعة السمحاء للسيطرة على عقول الناس ونهب ثرواتهم والعبث بمقدراتهم فقول المسيح هذا كانت غايته أنّ اليهود أرادوا أن يمكروا بالمسيح عليه السلام ويورطوه مع القيصر فسألوا المسيح إن كانوا يدفعون الجزية للحكومة الرومانية أم لا ؟ فقال المسيح عليه الســلام … نعم, فأنفك أنصاره من حوله لكونهم لا يرغبون بدفع الضرائب للرومان وهم ينظرون الى المســـيح بإعتباره المخلّص فكيف يوافق على دفع الجزية لقيصر وإنْ أجاب بعدم دفعها كما يرغب اليهود كانت حجة عليـــه ليسلموه للحكومة كُمثير للفتن والمشاكل ضد القيصر الّذي وضع هذه الضرائب وكان المسيح عليه السلام قد نظر الى الدينار ورأى صورة سأل عنها فأجابوه أنها لقيصر فقال لهم: (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أي أعطوا كل ذي حق حقه فطالما أنّ الخضوع لقيصر لا يخالف الخضوع لله فعليهم أن يخضعوا له بمعنى إنْ خالف القيصر أمر لله فلا طاعة له وأمر الله واضح في عباده واضح في جميع رسالاته السماوية الداعيــة الى الإهتمام بشؤون الخلق ورعاية أحوالهم والحفاظ على أموالهم وسماع شكاواهم وتنمية مواردهم والحفاظ على حقوقهم وآدميتهم بينما نلاحظ اليوم هناك ملايين الناس تُقاد بلا إرادة فقراء أذلاء تابعين لأناس يدّعون أنهم رجال دين وهم تجّار في السياسة بعيدين كل العبد عن الدين وأحكامه ويتحكمون بالمشهد السياسي في بلدنا الجريح حتى أنتجوا نظُم سياسية فاسدة فاشلة متعاقبة منذ سنوات ما بعد الإحتلال إلى يومنا هذا .



























