الريدز ليفربول و فيروس كورونا يعيدان كرة القدم إلى الزمان الجميل
بقلم : عبداﻹله العلمي
عندما كانت شوارع عواصم أندية أوربا العملاقة تعيش حالة إستنفار أمني غير مسبوق خصوصا في الممرات المؤدية إلى معتركات نزال المباريات الدولية،حيث الخيالة البوليسية تجول و تصول فيما يشبه اﻹستعداد لطارئ ما،ومظهر الهلع و الذعر بادية على محيا وجوه الساكنة،هذا الشعور اﻹستثنائي كان يتقاسمه أيضا رواق غرفة ملابس الملاعب البلدية،حيث كانت الفرق المنافسة تتجند لمجاراة التسعون دقيقة من غير خسائر،أمام خصم ثقيل و غير مرغوب فيه فقط لأنه فرضته قرعة الدوري اﻷوربي، إنه الخطر القادم من الشمال؛ اﻷحمر ليفربول و المرصع بنجومه اﻷسطوريين،يتقدمهم كيفن كيكن و كيني دالغليش ثم سونيس و ألان كينيدي بمعية ممن تنخر قوى دفاعات الخصوم في مواجهة أقدامهم، و هم الذين سيتركون ريال مدريد تنزف فوق أرضية حديقة اﻷمراء سنة 1981 في نهائي عصبة اﻷبطال اﻷوربية بمفهومها الحالي،علما أنهم أخرجوا في وقت سابق غريم الميرينغي التقليدي من نصف نهائي إحدى الكؤوس اﻷخرى و بالضبط سنة 1976 في معقل الكامب نو،و بين المنتصف اﻷخير من نصف العقد هذا سينقشون السحرة الحمر تاريخ النادي بلقبين من عيار الكأس المنتزعة من منصة ستاد العاصمة الفرنسية،ليسلموا المشعل بعد ذلك إلى رفاق أيان روش،الذين سيضيفون ذئاب روما إلى قائمة الضحايا على ركح اﻷولمبيكو ثلاث سنوات بعد ملحمة باريس محرزين الكأس الرابعة.
بالمقابل ستتوقف مسيرة شبح الشمال سنة بعد ذلك،بعيد خسرانهم الكأس الخامسة أمام جيفونتيس،و حرمانهم من المشاركة اﻷوربية ست سنوات لاحقة جراء مجزرة بروكسيل .
معاناة كبار أندية القارة العجوز داخل المستطيل اﻷخضر كانت توازيها حالة التأهب القصوى اﻷنفة خارج أسوار الملاعب،نظير ما يحدثه حضور جماهير القلعة القانية المتخللة جموعهم كثرة الهوليغانز من فوضى داخل التجمعات السكانية،عابثين بأمن و استقرار النقط المعنية فيما يشبه الغزاة،ليجهشوا بعد ذلك على الكرة اﻹنجليزية جمعاء بما فيها الأميرة الشقراء الباسطة هيمنتها على الملاعب اﻷوربية في النهاية المشؤومة ضد سيدة طورينو سنة 1985 بستاد هيسل،هاته الكارثة ستكون وراء إصدار لجنة اﻹنضباط اﻹتحادية للعبة عقوبات زجرية ستطال جميع اﻷندية اﻹنجليزية بحرمانها من المشاركة في الكؤوس اﻷوربية لمدة خمس سنوات،مع سنة إضافية إلى ف س ليفربول و هو في كامل الحضور التقني.
اليوم يعود ممثل الطبقة البروليتارية لﻹستئساد من جديد و هو يزأر داخل و خارجة قواعده، مما أمكنه التتويج بكل اﻷلقاب القارية و العالمية، علما أنه ضم إلى خزانته قبل أقل من عقدين كأسي اﻹتحاد و السوبر اﻷوربيين سنتي2001، و لعب نهايتي 2005 و 2007 محرزا اللقب في النسخة اﻷولى بعد فصل هتشكوكي،قلب فيه زملاء ستيفان جيرارد الطاولة على الميلانيستا في واحدة من ليالي اﻷنس الكروية على ملعب أتاتورك بإستنبول التركية، مع إحتفاظهم بالسوبر القاري لنفس العام.
لكن مع ذلك لم يشفى غليل عشاق الريدز إلا يوم 25 يونيو 2020 ، حينها سيتوج الفريق بالدوري المحلي الغائب على رفوفه منذ ثلاث عقود كاملة، ليعلن مصالحته التاريخية داخل الحدود البريطانية.
السيطرة التي دشنها النادي في اﻷونة اﻷخيرة،يعود الفضل فيها إلى المدير الفني/البروفيسور يورغن كلوب، عراب فلسفة التكوين إذ جعل كل الاعبين نجوما،من المدافع اﻷيمن إلى الجناح اﻷيسر،و هذا ما يوحي بعودة صولجان الرهيب اﻹنجليزي،و إحكام قبضته الزمانية من جديد على عرش البوديوم اﻹوربي و العالمي.
و مما يزكي تلك الهيمنة، ما سيؤول إليه القطاع اﻹقتصادي في القادم من اﻷيام،سواء من حيث اﻹنتاج،أو سلوك المستهلك جراء جائحة كورونا،كون الركود الذي سيعرفه العالم من حيث تقلص اﻷسواق العالمية،إضافة إلى ترشيد النزعة اﻹستهلاكية على المستوى الفردي و الجماعي،سيرخي بظلاله على نهج السياسات اﻹقتصادية،و التي ستدفع المنعشين الكبار على تفادي الخسارة قبل التفكير في هامش الربح،المعطى الذي سيجعل الشركات و المؤسسات المالية المحتضنة لكبريات التنظيمات الرياضية تعمل على تخفيض من قيمة المنح الإستشهارية.
في غضون التدابير اﻹقتصادية المتوقعة،قد نستشرف صياغة مالية جديدة للأندية المعنية، ستروم إلى عقلنة اﻹنفاق المالي، و الذي إنحرف مؤخرا في إتجاه تطرف معاملاتي بعيد تسقيف سوق اﻹنتقالات،و تحويل أندية أمريكا الاتينية و اﻹفريقية إلى مجرد مشاتل،نتيجة التخمة المالية التي جنتها بفضل عائدات اﻹحتضان و اﻹستشهار، خصوصا منها التي تحظى بعقود رعاية دسمة كالمانشستر يونايتد، ريال مدريد و برشلونة، أو تلك الشبه المخوصصة كالتشلسي أبراهاموفيتش و التي لعبت يوما بتشكيل كله أجنبي،مما نجم عن السياسة اﻷنفة طمس للهوية الرياضية.
السياسة المالية المنتظرة ستنعطف لا محال في إتجاه التقشف،و قد بدأت إرهاصتها بتلويح مجموعة من كبريات القارة العجوز إعتماد أسلوب مقايضة بعضا من لاعبيها فيما بينهم،ثم إسترجاع معاريهم، مع فصل صيف بارد في سوق اﻹنتقالات،و هكذا سنشهد في المستقبل القريب وجود أربع و خمس أو حتى ست لاعبين من مدرسة النادي تؤثث المجموعة الرسمية للأندية الكلاسيكية،على غرار العقود الذهبية من القرن الماضية،حينها كان اللعب المحلي يشكل قطب رحى إستراتجية الفريق،و لو أن هذا العامل أنيا سيصب في مصلحة رجال أستاذ مادة الرياضيات اﻷشقر اﻷلماني، المؤمن بالعمل القاعدي،ليعود أنذاك بريق و سحر المستديرة إلى زمانه الجميل، يرسخه أبناء المدارس و وكيل عمال المصانع و من دون شغب.


























