بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تتنوع التفسيرات والروايات بشأن الأنباء المتعلقة باستهداف جماعة الحوثي لمنطقة مكة المكرمة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، حيث ينقسم المشهد بين اتهامات رسمية وإسلامية من جهة، ونفي قاطع من الجماعة من جهة أخرى:
- الرواية الرسمية للتحالف والتحليلات السياسية
وفقاً لبيانات تحالف دعم الشرعية في اليمن والسلطات السعودية، فإن اعتراض وسائل الدفاع الجوي لعدة مقذوفات حوثية اتضح من مسارها الراداري أنها كانت متجهة نحو نطاق العاصمة المقدسة (مثل الحادثة الأخيرة لاعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة، وحوادث سابقة في عامي 2016 و2017). ويرى المسؤولون والمحللون السياسيون الدوافع كالتالي:
- الضغط السياسي والعسكري: استخدام هذه الهجمات العابرة للحدود كأوراق ضغط قوية لإجبار المملكة العربية السعودية على تقديم تنازلات في الملف اليمني.
- أجندات إقليمية وتوسيع رقعة النزاع: يربط باحثون هذه العمليات بالإيعاز من أطراف إقليمية (مثل إيران) بهدف زعزعة استقرار المنطقة، وإحراج المملكة دولياً وإسلامياً كراعٍ للحرمين الشريفين.
- محاولة كسر الردع: السعي لإحداث صدمة معنوية كبرى من خلال الاقتراب من الرموز الدينية الأكثر قدسية لدى المسلمين.
- رواية جماعة الحوثي (أنصار الله)
في المقابل، ينفي الحوثيون بشكل قاطع وبصفة مستمرة تعمد استهداف مكة المكرمة أو أي من المشاعر المقدسة. ويبررون موقفهم وتفسيرهم لهذه الأحداث بالآتي:
- تحديد الأهداف العسكرية فقط: تؤكد الجماعة أن بنك أهدافها داخل العمق السعودي يقتصر فقط على “المنشآت النفطية، القواعد العسكرية، والمطارات الحيوية” ذات الطابع الحربي أو الاقتصادي.
- قرب الأهداف العسكرية جغرافياً: يرى الحوثيون ومناصروهم أن الصواريخ أو المسيّرات التي يعترضها الدفاع الجوي السعودي قد تكون متجهة إلى أهداف عسكرية قريبة من المنطقة (مثل مطار الملك عبد العزيز أو قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف)، وأن التحالف يستغل مسار المقذوفات ليقول إنها تستهدف الكعبة بهدف كسب التعاطف.
- التوظيف السياسي واستعطاف الأمة: تتهم الجماعة النظام السعودي بافتعال هذه الرواية (“كذبة ممجوجة”) واستغلال “العاطفة الدينية” للمسلمين لتحشيد رأي عام إسلامي ودولي ضد اليمن وتغطية الإخفاقات العسكرية.
فيما تظل القضية نقطة خلاف حادة؛ حيث تثير الإعلانات الرسمية السعودية موجة تنديد وغضب واسعة من الحكومات والمنظمات الإسلامية (مثل رابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي) التي ترى في هذه العمليات خطراً مباشراً على أمن الحرمين الشريفين ، وتتداخل المصالح والتحليلات السياسية والعسكرية حول الجهات المستفيدة من استهداف أو تبني استهداف موقع إسلامي بمكانة مكة المكرمة، وتتوزع هذه المصالح بين أبعاد إقليمية، وسياسية، وعسكرية على النحو التالي:
- أطراف إقليمية (بهدف الضغط الجيوسياسي)
- إيران والأوراق الإقليمية: يرى العديد من المحللين السياسيين والعسكريين أن طهران تستفيد من توجيه ضربات أو خلق تهديدات بالقرب من العمق الاستراتيجي والديني للسعودية. الهدف من ذلك هو الضغط على الرياض في ملفات المنطقة (مثل اليمن، وأمن الخليج، والملاحة البحرية) وإيصال رسالة مفادها أن عدم استقرار المنطقة سيطال أكثر المواقع حساسية.
- إحراج المكانة القيادية للمملكة: يهدف التهديد المستمر للمقدسات إلى إحراج الدولة الراعية للحرمين الشريفين وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية الرموز الإسلامية الكبرى، وهو ما تراه أطراف منافسة فرصة للتشكيك في شرعية الإدارة السعودية للمشاعر المقدسة وتدويل القضية.
- جماعة الحوثي (لتحقيق مكاسب تفاوضية وعسكرية)
- أوراق ضغط لإنهاء الحرب: خلق تهديد حقيقي أو رمزي بالقرب من العاصمة المقدسة يمثل أداة ضغط قصوى لإجبار السعودية على تقديم تنازلات كبرى في أي مفاوضات سياسية، مثل رفع القيود عن المطارات والموانئ اليمنية ووقف العمليات العسكرية بشكل كامل.
- الحرب النفسية: السعي لتحقيق نصر معنوي وصدمة كبرى داخل المجتمع السعودي والدول الحليفة له عبر إثبات القدرة على الوصول إلى أي نقطة داخل العمق السعودي، بغض النظر عن القيود الدينية أو الجغرافية.
- أطراف تستفيد من “الرواية الإعلامية” والتوظيف السياسي
تتعدى المصلحة الفعل العسكري إلى كيفية استغلال الحدث إعلامياً:
- التحالف والحكومة السعودية (كسب التعاطف والدعم): يرى الحوثيون ومعارضون آخرون أن السلطات السعودية هي المستفيدة من نشر أخبار استهداف مكة (حتى وإن كان الهدف عسكرياً مجاوراً) وذلك بهدف حشد وتوحيد الرأي العام الداخلي، واستعطاف العالمين العربي والإسلامي وشرعنة استمرار العمليات العسكرية ضد الجماعة تحت غطاء “الدفاع عن مقدسات المسلمين”.
- التنظيمات المتطرفة (داعش والقاعدة) تستفيد هذه الجماعات من حالة الفوضى والصراع الطائفي أو السياسي التي قد تنتج عن استهداف الرموز الدينية، حيث تتغذى أدبياتها على انهيار النظام الإقليمي والتشكيك في شرعية الأنظمة الحاكمة.
النتائج والتوقعات
تحتكم النتائج الحالية والتوقعات المستقبلية لملف استهداف أو اتهام الحوثيين باستهداف منطقة مكة المكرمة إلى مسارين؛ الأول عسكري دفاعي، والثاني سياسي ودبلوماسي شكل خارطة النزاع في المنطقة على النحو التالي:
- تطوير منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر: عززت المملكة العربية السعودية شبكاتها الدفاعية (مثل منظومات باتريوت والثاد) في المنطقة الغربية لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية والمشاعر المقدسة، محققة نسب اعتراض عالية جداً للمقذوفات والمسيّرات قبل اقترابها من النطاق السكاني أو الديني.
- الالتفاف العربي والإسلامي حول الرياض: نجحت السعودية في استصدار عشرات بيانات الإدانة الصارمة من منظمات كبرى كـ (رابطة العالم الإسلامي، منظمة التعاون الإسلامي، والأزهر الشريف)، ما عمق العزلة السياسية لجماعة الحوثي وصنف سلوكها عسكرياً بأنه “تجاوز للخطوط الحمر” لدى الأمة الإسلامية.
- تشديد الرقابة الدولية على تهريب الأسلحة: دفعت هذه الهجمات النوعية بعيدة المدى المجتمع الدولي (خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا) إلى تكثيف عمليات تفتيش السفن في البحر الأحمر لمصادرة شحنات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المتجهة لليمن، لتقويض هذه القدرات الصاروخية.
- استقرار التهدئة وتلاشي التهديد: نجاح المفاوضات السياسية المباشرة بين السعودية والحوثيين، والالتزام ببنود خفض التصعيد الشامل.
- الردع الدفاعي المتبادل:استمرار الحوثيين في تطوير قدراتهم، مقابل احتفاظ السعودية بأعلى درجات الجاهزية الدفاعية لصد أي اختراق.
- تجدد التصعيد بضغط إقليمي:انهيار التفاهمات الإقليمية (مثل الاتفاقات السعودية الإيرانية) أو اشتعال جبهات أخرى في الشرق الأوسط.


























