بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
لم تعد السياسة في طهران تُدار بخطابات من على المنابر، بل عبر أوراق صامتة وأختام غامضة تحرك الجبهات وتُشعل الأزمات. فمنذ اختياره مرشداً أعلى للبلاد في مارس الماضي، تحوّل مجتبى خامنئي إلى “الشبح الأكبر” في هرم السلطة الإيرانية؛ زعيمٌ يحكم واحدة من أكثر عواصم الشرق الأوسط سخونة، لكنه لم يظهر علناً بصورة أو صوت لشهور طويلة ، غير ان هذا الغياب الطويل المحاط بهالة من السرية الأمنية والتقارير الطبية المعقدة، لم يترك وراءه فراغاً في الحضور فحسب، بل فجّر أزمة شرعية وتجاذباً حاداً في غرف صنع القرار وبينما يتحرك الحرس الثوري في الميدان ملوّحاً بـ “رسائل مكتوبة وتوجيهات عليا” تُنسب للمرشد لتبرير التصعيد العسكري، تعيش حكومة مسعود بزشكيان المدنية حالة من الشلل السياسي، وسط شكوك صامتة يهمس بها المسؤولون خلف الأبواب المغلقة: من الذي يمسك بالقلم الفعلي في طهران، ومن يملك حق التوقيع على مصير البلاد؟
ان الاجابة على هذا السؤال يكمن في الاختفاء والغموض الذي بات يمثل عمّق الانقسام الحاد والتجاذب السياسي داخل أجنحة الحكم في طهران على النحو التالي:
- طبيعة الغياب والتكهنات الأمنية والطبية
- الوضع الصحي: تفيد تقارير استخباراتية وإعلامية دولية بأن مجتبى خامنئي تعرض لإصابات بالغة وشديدة في الوجه والساق جراء الضربات الجوية التي أودت بحياة والده في أواخر فبراير 2026.
- السرية الأمنية: يُدار حضور المرشد عبر قنوات اتصال غامضة ومقيدة جداً لدواعٍ أمنية وقد كشفت تقاريرغربية أن اجتماعاته المفترضة مع رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، جرت عبر دوائر تلفزيونية مغلقة وآمنة للغاية من قنوات غير مباشرة، لدرجة جعلت الرئيس الإيراني نفسه يبدي شكوكاً للمقربين منه حول ما إذا كان قد تواصل مع المرشد الفعلي أم مع وسيط.
- الصراع بين أجنحة السلطة حول مسار الدولة
تسبب هذا “الفراغ في الحضور العلني” في تفاقم الخلافات بين تيارين رئيسيين في القيادة الإيرانية:
- التيار العسكري والمتشدد (الحرس الثوري) يقوده جنرالات متشددون (مثل قادة في الحرس الثوري) يتبنون استراتيجية “الردع الهجومي”. يدفع هذا التيار نحو تصعيد العمليات العسكرية، واستهداف المنشآت النفطية البحرية، وزيادة كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة لإجبارها على تقديم تنازلات ورفع الحصار. يستمد هؤلاء قوتهم من إرسال رسائل وتوجيهات مكتوبة تُنسب للمرشد مجتبى تبارك هذا التوجه.
- التيار الحكومي والبرلماني (بزشكيان وقاليباف) يمثله الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ويحذر هذا الجناح من أن المضي في التصعيد العسكري غير المحسوب سيؤدي إلى ضربات أمريكية أشد وطأة ويعمق الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد. يطالب هذا التيار بضرورة اعتماد القنوات الدبلوماسية واستئناف المفاوضات لإنهاء الأزمات.
- أزمة الشرعية والقرار
- التشكيك في القرارات: أدى غياب مجتبى خامنئي واعتماد النظام على البيانات المكتوبة أو الرسائل غير المباشرة إلى إضعاف الإجماع الداخلي حول القرارات المصيرية. وباتت بعض الأجنحة السياسية تطالب بإثباتات ملموسة عند إبلاغها بأن المرشد وافق شخصياً على عمليات عسكرية كبرى.
- إعادة الهيكلة في الحرب: بالرغم من هذا الانقسام السياسي، تحركت الدائرة اللصيقة بالمرشد لتثبيت أركان “قيادة زمن الحرب”، حيث أصدر مجتبى خامنئي قرارات وتعيينات جديدة طالت قيادات عليا في الحرس الثوري، والجيش، ومجلس الأمن القومي لمحاولة فرض الانضباط ومنع تفكك المؤسسة الأمنية.
فيما يبقى مجتبى خامنئي يمارس سلطته كـ “شبح” خلف الكواليس، ما يضع النظام السياسي الإيراني في مواجهة مباشرة بين جنرالات يفرضون الأمر الواقع مستغلين توجيهات المرشد الغائب، وحكومة تحاول كبح جماح التصعيد لتفادي انهيار اقتصادي شامل ولهذا ينعكس “الظهور والاختفاء” على الوضع الإيراني الحالي بعدة امور:
- كيف يُقوي الظهور السلطة والشعب؟
* تأكيد السيطرة والأهلية: ظهور المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، وإلقاؤه الخطابات كان سيبعث رسالة حاسمة للداخل والخارج بأنه يمسك بزمام الأمور، ويمتلك الأهلية الجسدية والذهنية لإدارة البلاد في وقت الحرب.
* طمأنة الحاضنة الشعبية والعسكرية: القائد في هذا النظام هو “صمام الأمان” للموالين ولعناصر الحرس الثوري؛ ورؤيته وسماع صوته يمنح الجبهة الداخلية القوة والروح المعنوية للصمود أمام الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
- كيف يُزعزع الاختفاء الداخل الإيراني؟
* تغذية صراع الأجنحة: غياب المرشد لشهور يحوّل السلطة إلى “مركز قرار شبحي”. هذا الغموض يسمح للجنرالات المتشددين في الحرس الثوري باحتكار وتوجيه القرارات، مدعين أنهم ينفذون “أوامر مكتوبة” من مجتبى، مما يهمش تماماً الحكومة المدنية برئاسة بزشكيان.
* أزمة التشكيك والشرعية: عندما يبدي رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان شكوكاً علنية (أو في الغرف المغلقة) حول ما إذا كان المرشد هو من يوقع القرارات أم وسطاء من دائرته الضيقة، فإن هيبة منصب المرشد تتآكل.
* انتشار الشائعات والتخبط: الاختفاء الطويل يعطي مصداقية للتقارير التي تتحدث عن إصابته البالغة، مما يشعر الشارع الإيراني بأنه يعيش في “فترة انتقالية غير مستقرة”، ويزيد من حالة التخبط في اتخاذ القرارات المصيرية مثل الرد العسكري أو المفاوضات.
النتائج والتوقعات
يحاول النظام حالياً إدارة البلاد عبر “الهيبة الافتراضية” للمرشد الجديد، لكن التاريخ السياسي يثبت أن القرار المكتوب لا يمكنه تعويض الكاريزما الحية للقائد، خاصة في أوقات الحروب والأزمات الكبرى ومع تعمّق الأزمة الحالية، يعيش النظام الإيراني صراعاً صامتاً ومحتدماً بين الحرس الثوري الذي يسعى لفرض واقع جديد، والحكومة المدنية التي تجد نفسها مكبلة ومهمشة ، ما يجعل القوة الحقيقية للحرس الثوري خلف العرش ، لاجل الاستيلاء الفعلي على مفاصل القرار في ظل اختفاء المرشد وعلى رأسهم وزير الداخلية والقائد العسكري المخضرم (أحمد وحيدي) لفرض السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة بحجة ظروف الحرب ويرى خبراء أن النظام الإيراني يتحول عملياً من “ديكتاتورية دينية” يقودها رجال الدين إلى “ديكتاتورية عسكرية” يقودها الجنرالات تتبنى خيار التصعيد المستقل، في حين يعيش رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان في حالة “شلل سياسي تام”؛ حيث تم حظره من اتخاذ التعيينات السيادية أو التدخل في الملفات العسكرية والأمنية الحساسة ، بينما تحاول الحكومة (عبر وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان قاليباف) فتح قنوات دبلوماسية مع الولايات المتحدة وعبر الوساطة العُمانية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات الاقتصادية الطاحنة، يقوم الحرس الثوري بإحباط هذه المساعي عبر عمليات عسكرية ميدانية لإثبات أن الدبلوماسية لا تملك القرار في طهران.























