بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يعود تعثر الحوار بين إيران ودول الخليج العربي إلى أسباب جوهرية تتعلق بانعدام الثقة والتوترات المستمرة في ملفات الأمن الإقليمي، وكان آخرها تأجيل الاجتماع الإيراني الخليجي في سلطنة عمان لبحث أزمة الملاحة في مضيق هرمز وأزمات الملاحة وأمن الطاقة و فرض الحصار الفعلي والهجمات المتبادلة التي أثرت على حركة الناقلات في مضيق هرمز، ما جعل أي حوار إقليمي يصطدم بغياب التهدئة البحرية الشاملة.
- التصعيد العسكري والتوترات مع الغرب: ارتباط المفاوضات الإقليمية بتعثر مسار الاتفاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، واعتراض واشنطن على أي تفاهمات لا تكبح السياسات الإيرانية.
- انعدام الثقة المتبادلة: استمرار المخاوف الخليجية من التهديدات الأمنية والسياسات الميدانية لطهران، مما يترك شعوراً بأن التهدئة هشة ولا ترقى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المستدامة.
- ضيق أجندة التفاوض: إصرار إيران على حصر الاجتماعات بملفات تقنية محددة (مثل المسارات البحرية الجديدة) دون معالجة الملفات السياسية والأمنية الكبرى التي تقلق دول الخليج.
لا تعني التطورات الحالية أن إيران أصبحت في “عزلة إقليمية كاملة”، بل تعيش حالة من الانقسام الحاد والتباعد الدبلوماسي المشروط ، فرغم تعثر الحوار الأخير وتصاعد الاستياء الخليجي، تظل شبكة العلاقات الإقليمية خاضعة لحسابات معقدة تمنع العزلة المطلقة:
- تعليق وليس قطيعة: تأجيل اجتماع سلطنة عمان الأخير جاء نتيجة خلافات حول أجندة الأمن الإقليمي والملف اليمني، ولم يأتِ كإعلان لقطع العلاقات الدبلوماسية التي استؤنفت في الأعوام الماضية.
- استمرار خطوط التوافق الاستراتيجي: ما تزال دول مثل سلطنة عمان وقطر والعراق تلعب أدواراً وسيطة ونشطة إقليمياً لتقريب وجهات النظر بين طهران والعواصم الخليجية والغربية.
- الخيارات الخليجية المفتوحة: تفضل دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، إبقاء قنوات التهدئة قائمة لتجنب مواجهة شاملة تضر باقتصادات المنطقة، مما يجعل “الاحتواء والدبلوماسية الحذرة” هو المسار المفضل بدلاً من العزل التام.
- العمق الدولي البديل: في ظل محاولات الضغط الاقتصادي والعسكري الغربي المكثف، لا تزال إيران تحافظ على شراكات اقتصادية وأمنية متينة مع قوى عظمى مثل الصين وروسيا، مما يكسر أي مسعى لفرض عزلة دولية أو إقليمية شاملة عليها.
جوهر المشكلة في هيكلية النظام السياسي الإيراني؛ فالرئيس الحالي مسعود بزشكيان عبّر صراحةً في لقاءاته الدبلوماسية الأخيرة عن رغبته في “طي صفحة الماضي” وتصفير الخلافات مع دول الجوار، مثل لقائه مع ولي عهد أبوظبي ولكن تحقيق هذه الرغبة يصطدم بمعضلة توزيع الصلاحيات داخل إيران وخصوصية الموقف الخليجي:
- محدودية الصلاحيات السيادية: كما أشرت، رئيس الجمهورية في إيران لا يملك قرار السلم والحرب؛ إذ إن الملفات الاستراتيجية الكبرى (مثل البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، ودعم الفصائل المسلحة في المنطقة) تقع دستورياً وحصرياً في يد المرشد الأعلى ومؤسسة الحرس الثوري.
- الانقسام الداخلي الإيراني: يواجه توجه الرئيس بزشكيان الانفتاحي معارضة شديدة من التيار المتشدد الداخلي؛ فعلى سبيل المثال، هاجمت صحف مقربة من الحرس الثوري (مثل صحيفة جوان) تصريحاته بشأن طي صفحة الماضي مع الخليج، واعتبرت أن الخلافات أعمق من أن تُمحى بلقاءات بروتوكولية.
- المقاربة الخليجية الحذرة: تدرك العواصم الخليجية تماماً حدود صلاحيات الرئيس الإيراني؛ ولذلك هي لا تبني مواقفها بناءً على الخطابات الإيجابية للرئاسة، بل تطالب بأفعال ملموسة على الأرض تنعكس على أمن الملاحة في مضيق هرمز ووقف التدخلات الإقليمية.
ان موقف دول الخليج العربي ليس منقسماً بالمعنى التقليدي (العدائي)، بل هو “تباين استراتيجي في الأدوار والمقاربات”؛ فالدول الست متفقة تماماً على هدف جوهري واحد، وهو حفظ الاستقرار الإقليمي ومنع نشوب حرب شاملة، لكنها تختلف بوضوح في طريقة وآلية التعامل مع إيران ويمكن تقسيم مواقف دول مجلس التعاون الخليجي الحالية إلى ثلاث مقاربات رئيسية:
- سلطنة عُمان وقطر: تتبنيان النهج الأكثر انفتاحاً ودبلوماسية، حيث ترى مسقط والدوحة أن التفاهم والحوار المباشر هما السبيل الوحيد لاحتواء النفوذ الإيراني، وتلعبان دور الوسيط النشط؛ وآخر أمثلتها رعاية عُمان للمفاوضات الرامية لإبرام اتفاق مؤقت حول مسارات الملاحة في مضيق هرمز.
- المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة: تتبعان نهجاً يجمع بين الانفتاح الدبلوماسي الحذر وحفظ حصون الردع ، رغم تعرض منشآتها أو حلفائها لمناوشات، تُفضل إعطاء الفرصة للحلول السياسية (كما حدث عند منح بغداد فرصة للتحقيق في هجمات المسيرات الأخيرة قبل أي رد فعل عسكري)، بينما تسعى الإمارات لفتح قنوات اتصال لتأمين الملاحة والاقتصاد، مع الحفاظ على موقف صارم يرفض أي إخلال بالتوازن الأمني الإقليمي.
- الكويت: تسير في فلك التوافق الخليجي بحذر، مع التركيز على الحلول القانونية والدولية للأزمات البحرية.
- البحرين: أعلنت مؤخراً مقاطعتها الرسمية لأي اجتماع جماعي يضم إيران (مثل اجتماع صلالة المؤجل) قبل العودة الكاملة للعلاقات الدبلوماسية الثنائية ومعالجة ملف التدخلات.
- الإمارات العربية المتحدة: رغم إبقائها على قنوات اتصال أمنية وتجارية لتهدئة التوترات وتأمين موانئها، إلا أنها تبدي تشدداً استراتيجياً واضحاً بسبب تعرضها المباشر لتبعات التصعيد البحري، وتخفّض مستويات تمثيلها الدبلوماسي في اللقاءات الموسعة التي تدعو إليها طهران.
النتائج والتوقعات
في ظل الأحداث المتسارعة هذا العام وتداخل تأثير السياسة الأمريكية بشكل معقد مع ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث تشهد المنطقة إعادة ترتيب واسعة للموازين الاستراتيجية ، حيث وضعت الحرب والتطورات المتسارعة ضد إيران دول الخليج أمام واقع قاسٍ؛ اشعرت العواصم الخليجية بخيبة أمل متزايدة تجاه واشنطن بعدما تبين أن الردع الأمريكي التقليدي أخفق في حماية المنشآت الحيوية ومحطات الطاقة الخليجية من ضربات الصواريخ والمسيرات الإيرانية ، وهذا التراجع في الثقة بالولايات المتحدة دفع دول الخليج الكبرى (مثل السعودية، الإمارات، وقطر) إلى محاولة تعزيز استقلالية قرارها والضغط الجماعي داخل واشنطن مستغلةً نفوذها اللوجستي وفي أسواق الطاقة لثني الإدارة الأمريكية عن التصعيد غير المحسوب.


























