بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تمتلك إيران سواحل تمتد لنحو 2400 كيلومتر على الخليج، ما يمنحها القدرة الفعلية على التحكم بمسارات الملاحة وإلزام السفن بالمرور عبر الممرات القريبة من مياهها الإقليمية التي تسيطر في مضيق هرمز ، يمنحها قوة التحكم بهذا الممر الملاحي الدولي باعتبارها “ورقة بلاتينية” تشكل سلاحاً استراتيجياً لفرض شروطها وتليين مواقف خصومها لاعتمادها على قوتها الملاحية في السيطرة على هذا الممر ، ما يعني التحكم بحوالي خُمس إمدادات النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل أي توتر فيه يرفع أسعار الطاقة ويشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي وفق عدة ركائز أساسية:
- الموقع الجغرافي والتحكم الميداني: تمتلك إيران سواحل تمتد لنحو 2400 كيلومتر على الخليج، ما يمنحها القدرة الفعلية على التحكم بمسارات الملاحة وإلزام السفن بالمرور عبر الممرات القريبة من مياهها الإقليمية التي تسيطرعليها وفرض قيود على العبورعبر الزوارق لفرض مسارات معينة وإجبار الناقلات على التعاون والتنسيق المسبق، ما يعزز شرعيتها السياسية وقبولها كقوة ذات سيادة.
- الترسانة العسكرية البحرية: تتمثل باستراتيجية “حرب العصابات البحرية ، حيث تعتمد إيران على أسطول ضخم من الزوارق الحربية السريعة والمناورة، بدلاً من الأساطيل التقليدية وكذلك استخدامها البحرية والصواريخ الساحلية من نوع كروز والألغام لقادرة على استهداف السفن، إلى جانب قدرتها على نشر الألغام البحرية لتعطيل الملاحة.
- سلاح الطاقة والاقتصاد العالمي: تستخدم إيران هذا الشريان الاقتصادي كورقة ضغط وابتزاز لرفع تكلفة أي عمل عسكري ضدها، وربط أمن الإمدادات العالمية بمدى تلبية مطالبها السياسية والاقتصادية على اعتبار انها تتحكم بخمس امدادات الطاقة وان أي توتر أو تعطيل للمضيق يرفع من أسعار النفط العالمية وتكاليف التأمين على السفن.
- الردع غير المباشر: الذي يتمثل بتهديد المصالح الحليفة من خلال منظومتها الإقليمية، على اعتبار انها تستطيع الرد على أي تحركات غربية باستهداف قواعد ومصالح حلفاء واشنطن في المنطقة ، بغية تشتيت الجهود الدولية في حال تم التفكير في تدويل أمن المضيق وإرسال مهام بحرية متعددة الجنسيات (مثل تحركات حلف الناتو) حيث تمتلك إيران سلاحاً احتياطياً يتمثل في نفوذها وتواجدها عند مضيق باب المندب من خلال اذرع الحوثيين.
ولكن في المقابل، هناك حدود لاستخدام هذه الورقة:
- البحث عن بدائل كون الاستخدام المفرط أو التهديد الدائم بإغلاق المضيق يدفع الدول المستوردة للبحث عن خطوط أنابيب بديلة ومسارات نقل ومصادر طاقة متجددة لتقليل الاعتماد الكلي على هذا الممر الحيوي على المدى الطويل.
- التحالفات الدولية عبر التلويح بقطع الإمدادات يحفز المجتمع الدولي على بناء تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لضمان حرية الملاحة العسكرية والتجارية.
- ان ورقة مضيق هرمز تمنح إيران نفوذاً استثنائياً لإيلام العالم اقتصادياً ، ما يدفع القوى الكبرى للتفاوض معها، إلا أنها سلاح ذو حدين قد يضر باقتصادها وعلاقاتها الدولية إذا تم استخدامه بمعزل عن القوانين والأعراف الدولية.
ايران وخاصرة الخليج الضعيفة
تستهدف إيران دول الخليج عند تعرضها لضربات أمريكية لأسباب استراتيجية وعسكرية، تهدف من خلالها إلى الضغط على واشنطن وحلفائها لغياب التكافؤ العسكري ، حيث يصعب على إيران مواجهة الولايات المتحدة عسكرياً بشكل مباشر، فتلجأ إلى “الحرب غير المتناظرة” باستهداف حلفاء واشنطن الإقليميين الأقرب جغرافياً ، على اعتبار ان تقع دول الخليج والبنية التحتية لطاقتها ومطاراتها وموانئها في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية ، ولهذا أن أي هجوم ينطلق من هذه الأراضي يجعل تلك الدول شريكة في العمليات العسكرية ضدها، ما يجعلها أهدافاً سهلة وسريعة للرد والأكثرتأثيراً في الاقتصاد العالمي ، من خلال استهداف منشآت النفط أو خطوط الملاحة في الخليج يرفع أسعار الطاقة فوراً، الأمر الذي قد يشكل ضغطاً على الولايات المتحدة الامريكية من قِبل المجتمع الدولي لوقف التصعيد ، يضاف الى ذلك تريد ايران رفع كلفة الحرب لإيصال رسالة واضحة لواشنطن بأن أي ضربة لأميركا لن تمر دون تدمير استقرار المنطقة بأكملها، ما يدفع حلفاء أمريكا للضغط على واشنطن لتجنب الخيار العسكري.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان قرار الرئيس ترامب بإنهاء حالة وقف إطلاق النار مع إيران ، الذي حظي بتأيد حلف الناتو يمثل انهياراً كاملاً لمذكرة التفاهم الهشة التي وُقعت بين الطرفين قبل ثلاثة أسابيع، ما يجعل تمهيداً لعودة المواجهة العسكرية المباشرة ، حيث ان هذا القرار قد يعكس تحولاً استراتيجياً حاداً تحكمه الأبعاد والتداعيات المتمثلة بفشل الحل الدبلوماسي المؤقت وهو إشارة واضحة من ترامب بأن المفاوضات أصبحت “مضيعة للوقت”، بعد الهجمات الأخيرة على السفن التجارية في مضيق هرمز ، وهو بمثابة شرعنة التصعيد العسكري المتبادل يمنحه الغطاء لمواصلة وتوسيع ضرباته الانتقامية ، الا انه رغم غضبه على القيادة الإيرانية إلا أنه ترك الباب موارباً بشكل ضئيل عبر السماح لفريقه الفني (بقيادة جاريد كوشنر وستيف ويتكوف) بمواصلة محادثات بطيئة للحصول على تنازلات نووية ، مع الأخد بنظر الاعتبار ان هذا القرار قد يشكل هزّة عنيفة للاقتصاد العالمي.

























