بقلم: د. مها أسعد
يفرض الموروث الشعبي نفسه ليقول: “أنا موجود وللوجود معنى”
فإن الجهة الكيفية في التذكر تُلزمنا بإدراك الموقف عبر الوعي بالزمن،
ولا يتم ذلك إلا بالتفكر والتأمل بالصور القابعة في الذهن المخزونة في الذاكرة الصورية والتي تتجاوز حدود الواقع اللحظي المُباشر وتستدعي الماضي ومعايشته كما لو كان يحدث مرة أخرى، كما ويمكن من خلاله التفكير في المستقبل وتصوره، هكذا يتحرك المرء من خلال الصور عبر إطار زماني ممتد ومنفتح، وذلك لأن الصور ترتبط بالذاكرة والخيال والطقوس، وإن الناس على وفق ما تظهره الصورة يتسابقون ليوصفوا الحقائق الصغيرة كما يرونها هم متناثرة هنا وهناك ومن ثم يعيدوا تشكيلها مجتمعة ليدخلوها في اتساق رهيب لتحقيق أو بناء حقيقة كبيرة، تتفجر في التأريخ العام للفرد والجماعة، متحولة إلى ذاكرة جمعية للشعور بالظلم، ولعنة الطغيان على مر العصور،
وهي تنقُلنا هنا بذكرى عاشوراء عبر المخيال إلى “واقعة الطف ”
وذلك لأن المخيال هو الطريقة الوحيدة التي استطاع بها الإنسان أن يحول الموت من نهاية بيولوجية مرعبة إلى قصة ذات معنى و”رحلة” أو “ارتقاء”، يُعيد من خلالها صياغة الحقيقة الصلبة ويجعل الحياة قابلة للعيش ومفعمة بالمعنى، وأن يُحول الزمن من محطة يتبدد بها العمر إلى تاريخ وبناء وثقافة.
بهذا المعنى قد صارت لنا صورة تذكرية ذات جهة كيفية عبر عاملي الزمان والمكان، وحتماً قد تفعل عندنا هُنا تحديداً مفهوم “تحيين التأريخ” اي الرجوع الى الواقعة مُجسدين إياها بموروث شعبي بمشاهد تمثيلية(التشابيه) تُقام في المناطق الشعبية في الساحات الفارغة، وحتى في الشوارع الرئيسية، ليُحاكوا خيال المُتلقي بمشاهد مُقاربة للمعركة بإعادة إنبناء ضمن سياق جديد، مُصاحبة لتضخيم أحد العناصر التي تُشكل الحدث برمته، والتي قد تكون لاحد الشخصيات البارزة في المشهد او مجموعة منهم أعضاء القضية الحُسينية، او لأعدائهم مُجسدين ذلك عبر مشاهد تبقى عالقة في الذهن مُستهدفين بذلك فئة الناشئة في الغالب الأعم مُفعلين بواسطتها “الترسيخ” صنعوها باتفاق شعبي وبوعي فطري يُتيح لنا قرائتها بثنائية ( الخير والشر، الظالم والمظلوم، المُقدس والمُدنس ….)مُتحدة في الحقيقة مع الجهة الكيفية للفعل التذكري بأَسره، وهي لم تحدث ولم يجتمع جميعاً على الاتفاق على العناصر الثقافية الأساسية التي تربط بينها لولا أن الحدث مفعم بالرموز وذا معنى ووقع كبير تربطهُ واقعة تواصلية بالزمن المُدرك ذو أنبناء على المظهر التخيلي، ولقائل أن يقول: إن خاصية التذكر، خلافاً لكُل شيء أخر لا يدخل فيها إلا المحتوى ذو القيمة، فكيف اذا كانت القيمة تدور حول شخص مثل الحُسين أبن علي؟! أنه يشتمل على فعل أَخذي شأنه أَن يضع التذكر في علاقة ما بالواقع المُدرك وبالفعل والفاعل والحدث والوعي بالزمن والأمكنة التي أحتوت كُل الأفعال الخاصة به. إن هذا الكلام لصحيحٌ قطعاً، ولكن صحتهُ لا تنال في شيء مما قد أسلفنا بيانه إلا بالفلسفة المُتجسدة والمُتمثلة بجسد يرتقي للخلود كجسد الحُسين.
أن كل ما تقدم يعتبر تصنيفات رمزية من (رموز أرتقاء) مُرتبطة بالخيال المُدرك، ولربطه بالوعي سواء كان الوعي صادر عن الأتجاه الاجتماعي-الديني، أو عن الأتجاه النفساني، فهو يقوم بإختزال المُتخيل إما في أنساق خارجة عن الوعي الإنساني وإدراكه، أو في مشاعر مكبوتة، ولأجل ذلكَ سنبقى ساعين الى تجنب كُل من الأونطولوجيا السيكولوجية والأونطولوجيا الثقافوية؛ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالقراءة للواقعة بمنظور أنثروبولوجي لردم الفجوة بين المقاربة الخارجية والمقاربة الداخلية للمتخيل ومحتوياته، لأن المُتخيل يستجيب لحاجات ورغبات داخلية تتفاعل مع محيطها الاجتماعي والإيديولوجي والدين، وان هذا الجمع بين المقاربتين هو نتاج متطلبات عضوية ونفسية ضمن محيط اجتماعي، لذلك فإنه من الواجب ان نبين في الفعل الأخذي بعينه أمرين أثنين: المحتوى، والجهة العقدية ومااقصده هنا بمثابة العقد الاجتماعي بين الواجب والحق، الذي قطعه الحُسين على نفسه ورفاقه والقضية التي قُتل من أجلها، وكيف ان يكون الإلتزام واجب من قبل جميع الأطراف، فهو بذلك قد فوت الفرصة على كُل من يريد أن يعزف على وتر ان طاعة ولي الأمر واجب ديني ولا يجوز الخروج عليه والقول بوجههُ “كلا” وليس أي رفض فإنه صادر من حفيد نبيهم؟! كما وانه قد فوت الفرصة كذلك على كُل من يريد ان يجعل من منبره مصدراً يعتاش عليه على حساب كلمة الحق، وكذلك ليجعل وعلى المدى البعيد التذكر والادراك والوعي مُجتمعة بشهادته التي جسدت أنفعال عبر تداعي الأحاسيس والأفكار، التي تُعد أستلهاماً مُتواصلاً يتجدد بمثل هذه الأحداث الكبيرة للأشخاص الكبار الذين حتى بموتهم تكون هناك رسالة سامية، فان الموت وتحديداً هُنا يحمل في ثناياه التفكر في عمق الوجود ومعانيه؛ لذلك تكون الشهادة عزاءً تُعين أصحاب ذات النهج على التأمل في معاني الحياة، وخصوصاً عندما تكون للشهيد قيم عُليا لا تُقدر بثمن، فعندما نقرأ التأريخ بشكل جيد نراهُ مُتجدد ويعيد نفسه في أحداث مُتكررة تبعاً للوحدة النفسية بين البشر “فكم من حُسين عاد يُطعن في الظلام” حيث نجد فيه ان الأحداث الغابرة زائلة بلا جدال، وتبقى وحدها المواقف عنوان يتجدد في كل وقت وحين.


























