بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يرتبط مصطلح “التخادم” بين الولايات المتحدة وإيران بالتقاطعات الاستراتيجية وتبادل المصالح الخفية أو غير المباشرة، رغم الخطاب العدائي المعلن وقد بدأ هذا المسار منذ الثمانينيات ومر بعدة محطات مفصلية تاريخية:فضيحة “إيران – كونترا” (1985–1986) التي كشفت تورط إدارة الرئيس الأمريكي “رونالد ريغان” في بيع أسلحة لإيران سراً مقابل المساعدة في تحرير رهائن أمريكيين محتجزين في لبنان، واستخدام الأموال لتمويل متمردي “الكونترا” في نيكاراغوا والتخادم في حرب أفغانستان والعراق (2001–2003) عندما قدمت إيران معلومات استخباراتية ولوجستية حيوية للقوات الأمريكية لإسقاط نظام “طالبان” في أفغانستان ونظام “صدام حسين” في العراق، اضافة الى غض الطرف عن التوسع الإقليمي عندما سمحت واشنطن في العقد الأول من الألفية الثانية بتوسيع النفوذ السياسي والعسكري الإيراني داخل العراق، لترتيب الأوضاع بعيداً عن الفوضى ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الاتفاق النووي (2015) حين جرى التفاوض المباشر بين إدارة “باراك أوباما” وإيران، والذي تضمن تخفيف العقوبات مقابل تجميد طهران لبرنامجها النووي، وهو ما اعتبره مراقبون تسليماً أمريكياً بوضع إيران كقوة إقليمية مهيمنة ، ويُعرف هذا النمط من العلاقات بـ “العداء التنافسي”، حيث تستخدم أمريكا نفوذ إيران لضبط إيقاع المنطقة، بينما تستخدم إيران شعاراتها المناهضة للولايات المتحدة لتثبيت شرعيتها الداخلية وتوسعها الخارجي.
فرط عقد المسبحة
تحول نمط “التخادم الخفي” إلى مواجهة مباشرة نتيجة تجاوز إيران للخطوط الحمراء الأمريكية بتهديد أمن الطاقة العالمي، وتغيير موازين القوى الإقليمية، وتجاوز حدود اللعبة التقليدية لحروب الوكالة ، ادت الى تفككت التفاهمات الضمنية تدريجياً بفعل عدة عوامل رئيسية:
1. انفجار حروب الوكالة الذي أدى الى تصاعد النزاعات الإقليمية في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر وتحول الفصائل الموالية لإيران من أدوات ضغط محلي إلى مهدد مباشر للمصالح الأمريكية الحيوية.
2. استهداف الملاحة الدولية من خلال إغلاق مضايق الملاحة واستهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر ومضيق هرمز وهي ضربة مباشرة لـ “أمن الطاقة العالمي”، وخط أحمر ثابت للسياسة الأمريكية لا يمكن غض الطرف عنه.
3. اقتراب العتبة النووية عندما سرّعت طهران عمليات تخصيب اليورانيوم ورفضت تقديم تنازلات جوهرية، ما جعل واشنطن تشعر بتهديد حقيقي لمعادلة الردع الاستراتيجي في المنطقة.
4. عسكرة المواجهة المباشرة (2026) حين بلغت التوترات ذروتها مطلع عام 2026 بحشد عسكري أمريكي غير مسبوق، تلاه قصف جوي ومواجهة عسكرية مباشرة استمرت لأشهر وهزت استقرار المنطقة قبل التوصل إلى هدنة مؤقتة.
باختصار شديد ان صلاحية “التخادم” بين واشنطن وطهران قد انتهت عندما تحولت إيران من “شرطي محلي” يضبط إيقاع الفوضى لصالح واشنطن، إلى قوة إقليمية تسعى لفرض شروطها وتغيير هندسة النفوذ بالشرق الأوسط بشكل كامل وقد تجلت مرحلة الطلاق عندما خرجت إيران عن قواعد اللعبة التقليدية من (حرب الظل والوكلاء) الى مرحلة الصدام العسكري المباشر والمفتوح وتخليها عن سياسة “الصبر الاستراتيجي” والاكتفاء بالرد عبر الوكلاء، عندما قامت بشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة مباشرة من أراضيها باتجاه العمق الإسرائيلي، وهو ما كسر الخطوط الحمراء القديمة وقواعد الاشتباك التاريخية و تجاوزها الخطوط الحمراء النووية برفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة جداً من درجة النقاء العسكري (60% وأكثر)، وقيدت عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أنهى “اللعبة الدبلوماسية” وجعلها على حافة امتلاك سلاح نووي ، اضافة الى تجاوزها حدود الإقليم عبر الانخراط المباشر في الحرب الروسية الأوكرانية ، من خلال تزويد موسكو بآلاف الطائرات المسيرة (شاهد) والصواريخ البالستية، ما نقلها من لاعب إقليمي محلي إلى مهدد مباشر للأمن الأوروبي والأطلسي و تفعيل جبهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر جماعة الحوثي لاستهداف السفن التجارية الدولية بشكل غير مسبوق، حيث لم يعد مجرد ضغط إقليمي، بل تحول إلى خنق للاقتصاد العالمي واستهداف مباشر لسفن الشحن التابعة للدول الكبرى.
التحريض الاسرائيلي على الطلاق
لعبت إسرائيل دور المحرّض، والـمُتضرِّر، والمستفيد من فترات التوافق الضمني (التخادم) بين واشنطن وطهران، حيث تشابكت مصالحها الأمنية مع التحركات الأمريكية والإيرانية في المنطقة عبر عدة مستويات وقد استغلت إسرائيل صعود النفوذ الإيراني لتقديم نفسها كـ”حليف موثوق وحيد” للغرب في مواجهة ما تسميه “الهلال الشيعي” والتمدد الإيراني عبر صناعة العدو المشترك ، وقد ساهم التركيز الدولي على الخطر الإيراني في تراجع الاهتمام العالمي بملف الاستيطان والقدس، وتحويل البوصلة الأمنية نحو طهران من اجل تصفية القضية الفلسطينية ، حيث شكّل الخوف من النفوذ الإيراني المحرك الأساسي لتوقيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” وبناء تحالفات أمنية واستخباراتية مع دول عربية برعاية أمريكية وقد قادت إسرائيل حملة شرسة ضد اتفاق عام 2015 النووي واعتبرته “تخادماً أمريكياً يمنح إيران شرعية إقليمية وأموالاً مجمدة”، وضغطت بقوة حتى انسحبت إدارة ترامب منه عام 2018 ، كما عارضت تل ابيب أي تفاهمات تمنح إيران نفوذاً في جنوب سوريا أو حرية حركة لفصائلها في العراق ولبنان، وضغطت على واشنطن لاعتماد استراتيجية مايسمى بـ”الضغط الأقصى” واستخدامها عملية قص الحصاد ، عندما نفذت مئات الغارات الجوية داخل سوريا والعراق لمنع الاستفادة الإيرانية من التسهيلات الميدانية وتدمير خطوط إمداد السلاح ، ولعل اغتيالها لعلماء نوويين وقادة عسكريين إيرانيين بارزين (مثل استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق واغتيال إسماعيل هنية في طهران)، لدفع واشنطن إلى مواجهة مباشرة وقطع أي خطوط رجعة للدبلوماسية .
نهاية الزواج العرفي
الزواج العرفي الذي قام على التفاهمات السرية، وحروب الوكالة، وإدارة الصراع خلف الكواليس قد انتهى تماماً، وحلّت محله مرحلة جديدة تفرض الصراحة والصفقات المكتوبة تمثلت بالملامح الرئيسية لنهاية هذا الشكل القديم من العلاقة في التطورات الحالية والانتقال من “العرفي السري” إلى “الموثق المكتوب” بعد عقود من الاتصالات عبر وسطاء (كسويسرا وعُمان)،حيث يجلس الطرفان اليوم في سويسرا لصياغة اتفاقيات مكتوبة ومباشرة اطلق عيها (“مذكرة تفاهم إسلام آباد”) وبإشراف دولي، ما يعني انتهاء زمن التفاهمات الضمنية غير المعلنة والتحول الى زمن المصالح الاقتصادية وهو ما يتناغم مع براغماتية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي يسعى لإنقاذ اقتصاد بلاده ، حيث ان هذا الأسلوب لا يحتمل الرمادية الإقليمية التي ميزت العقود الماضية ، اضافة الى ترسيم حدود النفوذ علناً ، و لم يعد هناك مجال لتبادل الأدوار الخفي في ملفات كالعراق واليمن ولبنان ، فالمفاوضات الجارية تضع جداول زمنية وآليات واضحة لتفكيك الجبهات العسكرية، وفتح ممرات الملاحة الدولية (مثل مضيق هرمز وباب المندب) بشكل رسمي وتحت مراقبة دولية.
إذاً، “الزواج العرفي” انتهى ولم يعد صالحاً لإدارة المرحلة، والبديل إما اتفاق رسمي معلن يوثق مصالح الطرفين، أو العودة للمواجهة الشاملة.























