بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
السر الإيراني الخفي لجبهة لبنان يكمن في استراتيجية “العمق الاستراتيجي المتقدم” حيث تستخدم إيران جبهة لبنان كخط دفاع أمامي وورقة ضغط سياسية وعسكرية استراتيجية لردع خصومها (مثل إسرائيل والولايات المتحدة)، وإبعاد خطر الحروب عن أراضيها، مع تعزيز نفوذها كقوة إقليمية كبرى وتأتي هذه الأهمية لعقيدتها العسكرية التي تهدف إلى نقل المعارك خارج حدودها لتأمين عمقها الداخلي ، على اعتبار ان جبهة لبنان تُمثل رأس حربة في هذا المشروع عبر حليفها الاستراتيجي المتمثل بـ (حزب الله) الذي يمتلك ترسانة صاروخية وقدرات عسكرية متطورة تشكل خط دفاع أمامي يردع أي هجوم محتمل على إيران نفسها وهي ورقة ضغط تستخدمها إيران كأداة سياسية حساسة للتدخل في قضايا المنطقة ، من خلال إبقاء هذه الجبهة ورقة نشطة، تستطيع من خلالها التأثير على التسويات الإقليمية، وتخفيف الضغوط الدبلوماسية أو الاقتصادية المفروضة عليها (مثل ملفها النووي) من خلال إظهار قدرتها على ضبط التصعيد أو تفجيره في أي وقت لتصدير الصراع.
اين تكمن قوة حزب الله اللبناني
تكمن نقاط قوة حزب الله في مزيج فريد بين العقيدة العسكرية المنظمة وحرب العصابات المرنة، إلى جانب الدعم الخارجي والبيئة الحاضنة وتبرز قوة الجبهة اللبنانية في الترسانة الصاروخية الضخمة ذات التوجيه العالي من حيث الدقة والقدرة على ضرب أهداف حيوية في عمق إسرائيل بشكل يومي لإنهاك منظومات الدفاع الجوي مثل “القبة الحديدية” وكذلك المسيرات المتطورة التي تستخدم لغايات الاستطلاع والانقضاض خلف خطوط العدو ، يضاف الى الى ذلك امتلالكها البنية التحتية والأنفاق الرقمية المعقدة والمحصنة تحت الأرض في جنوب لبنان والبقاع التي تستخدم لتخزين الأسلحة والتنقل الآمن والكمائن ، مع توفر شبكة اتصالات سلكية خاصة خارجة عن سيطرة الدولة اللبنانية التي تؤمن لها الحماية من التجسس الإلكتروني والاختراقات ، ناهيك عن المرونة التكتيكية والخبرة القتالية ذات الدمج العسكري الذي جمع بين تنظيم الجيش النظامي وتكتيكات حرب العصابات الخفيفة السريعة المكتسبة من الخبرة الميدانية نتيجة مشاركتهم الطويلة في الحرب السورية ، المتمثلة بـ”قوة الرضوان” في العمليات الهجومية والتسلل البري التي تعتمد على الدعم الإيراني والعمق الجغرافي و خطوط الإمداد الذي يمر عبر العراق وسوريا لتأمين تدفق السلاح والمعدات ، اذا ما اخذنا بنظر الأعتبار التنظيم المؤسسي والبيئة الحاضنة الموازية للدولة اللبنانية المتمثلة بالمؤسسات الصحية والتعليمية والأجتماعية التي تقدم خدمات واسعة لبيئته، ما يضمن له ولاءً شعبيًا قويًا يجعل أفراده يقاتلون بعقيدة دينية صارمة تمنحهم انضباطاً عالياً وإصراراً في الميدان.
هل فشلت اسرائيل في كبح جماح قوة ونفوذ حزب الله
لم تنجح إسرائيل في الهزيمة الكاملة أو كبح جماح قوة ونفوذ حزب الله بشكل نهائي، بل حققت إضعافاً تكتيكياً كبيراً لقدراته العسكرية وتتأرجح القراءة السياسية والعسكرية بين اعتبار ما جرى نجاحاً إسرائيلياً أو فشلاً استراتيجياً بناءً على مخرجات المواجهات المستمرة ومذكرات وقف إطلاق النار المتلاحقة (وآخرها الموقعة في يونيو 2026) ويكمن نجاح اسرائيل في تصفية القيادة التاريخية باغتيال الصف الأول والعديد من القادة العسكريين البارزين للحزب، وعلى رأسهم الأمين العام السابق حسن نصر الله وعدد من قادة “قوة الرضوان” وضرب البنية التحتية والاتصالات ، حيث تمكنت العمليات الاستخباراتية والعسكرية من شل أجزاء واسعة من منظومة الاتصالات الداخلية للحزب، وتدمير أعداد كبيرة من منصات إطلاق الصواريخ ومخازن السلاح وفرض مناطق عازلة والتوغل البري الذي قام به الجيش الإسرائيلي في بلدات الجنوب اللبناني وفرض شروط عسكرية قيدت حرية حركة مقاتلي الحزب علناً على الحدود ، الا انها في إيقاف الرشقات الصاروخية ومسيرات الحزب التي واصلت استهداف العمق الإسرائيلي حتى اللحظات الأخيرة قبل الدخول في اتفاقات وقف إطلاق النار،حيث أثبت الحزب قدرته على إعادة ترتيب صفوفه القيادية والميدانية بسرعة، والاعتماد على تكتيكات الكمائن وحرب العصابات لعرقلة التقدم البري الكامل في ظل استمرار خطوط الإمداد الإقليمية ، حيث لايزال العمق الجغرافي للحزب (عبر سوريا والعراق وصولاً إلى إيران) فعالاً، ما يمنحه القدرة المستمرة على إعادة التسلح، فضلاً عن بقاء نفوذه السياسي والاجتماعي راسخاً في بيئته الحاضنة بلبنان.
لماذا يريد ترامب زج سوريا في ملف حزب الله
تكمن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزج سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع في ملف حزب الله لإيجاد بديل إقليمي قادر على تفكيك الحزب أو كبح نفوذه، وذلك بهدف حماية الاتفاق السياسي الحساس الذي وقّعته إدارته مؤخراً مع إيران ومنع إسرائيل من تقويضه وتكمن دوافع وأهداف ترامب من هذا المقترح المفاجئ لإنجاز ما عجزت عنه إسرائيل برياً ، على اعتبار أن إسرائيل استغرقت وقتاً طويلاً في حربها ضد حزب الله وتسببت بدمار هائل وقتلت مدنيين دون القضاء على التهديد تماماً وبحسب تصريحاته، فإن سوريا قادرة على القيام “بعمل أفضل” في التعامل مع الحزب وقطع خطوط إمداده بالقوة وكذلك لحماية الاتفاق الأمريكي – الإيراني ، حيث يرى ترامب أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان يمثل “حرباً صغيرة” تُربك حسابات واشنطن وتهدد بنسف “الصفقة الكبيرة” مع إيران، وبالتالي يريد نقل عبء مواجهة الحزب إلى سوريا لفرض التهدئة واستغلال العداء بين القيادة السورية الجديدة وحزب الله الذي قاتل لسنوات ضد الفصائل المعارضة في سوريا ويعتبر ترامب الرئيس أحمد الشرع “رجلًا قويًا” يمتلك مصلحة مباشرة في إنهاء أي نفوذ مسلح يوالي لإيران أو للعهد السابق على حدوده وتكمن رغبة ترامب الاستراتيجية عبر دفع دمشق لإغلاق الحدود البرية والممرات اللوجستية التي تربط الحزب بعمقه الإقليمي لعزل سوريا تماماً عن شبكة الإمداد الإيرانية، الأمر الذي سيفقد حزب الله في لبنان شريان الحياة العسكري الأساسي له.
























