بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يبدو ان ايران غيرت قواعد المواجهة والاشتباك بشكل جوهري في المنطقة، حيث انتقلت من “حرب الظل” والاعتماد على الجيوش المليشياوية الكبرى إلى نمط هجين يجمع بين التصعيد الإقليمي الشامل والعمل عبر الخلايا السرية شديدة المركزية وجاء هذا التحول الجذري نتيجة التطورات العسكرية الكبرى التي شهدها الضربات الأمريكية الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت البنية التحتية الإيرانية وأدت الى مقتل المرشد السابق علي خامنئي وعدد من القيادات السياسية والامنية وهذا يعني ان الحرس الثوري انتقل من “الصبر الاستراتيجي إلى الرد الإقليمي الشامل” وهذا يعني تجنب ايران المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها والانتقال الى القواعد الجديدة التي أرساها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي التي تقوم على معادلة “ان أي ضربة يتعرض لها الداخل الإيراني أو الحلفاء المقربون كلبنان، سيقابلها رد فوري مباشر واستهداف لأصول أمريكية وحيوية في دول الخليج” على عكس ماكانت تقوم به في السابق باعتمادها على فصائل معروفة تتبنى عملياتها علناً كأوراق ضغط سياسي ، في حين القاعدة الجديدة (عبر الخلايا السرية المجهرية في العراق)، التي تتيح لإيران شن هجمات دقيقة ومؤذية بمسيرات من أراضٍ عربية دون ترك بصمات استخباراتية واضحة تُلزم الخصوم بالرد العسكري المباشر على طهران، ما يربك حسابات الرد لدى واشنطن والعواصم الخليجية.
الدوافع الايرانية
يعزو سبب التحول في الأسلوب إلى رغبة طهران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي بعد ضعف واستنزاف الفصائل الموالية لها ، بالإضافة إلى توجه فصائل عراقية نافذة (مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي) لإلقاء السلاح والتركيز على السياسة الداخلية لتجنب التصعيد مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، حيث تركز إيران على استهداف دول الخليج العربي عسكرياً عبر خلاياها لفرض ضغوط سياسية واقتصادية، ومحاولة تحييد القواعد الأمريكية المتواجدة على أراضيها ، وقد تجلى هذا الفعل خلال الجولات الأخيرة من الصراع المباشر والضربات التي تلقتها طهران ، الى أطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه منشآت حيوية ومدنية في دول مجلس التعاون تتلخص دوافعها الى سعي طهران للضغط على حكومات الخليج لإغلاق أو تقييد حركة القواعد العسكرية الأمريكية (مثل قاعدة العديد وقاعدة علي السالم)، عبر إرسال رسائل بأن استضافة هذه القواعد ستجعل تلك الدول في المرمى المباشر لنيرانها وكذلك تقويض ركائز الاقتصاد الخليجي، عبراستهدف الحرس الثوري الإيراني مطارات دولية وموانئ ومنشآت طاقة حيوية (مثل مصافي النفط ) بهدف ضرب سمعة المنطقة كواحة آمنة للاستثمار العالمي والسياحة، والتشكيك في قدرة هذه الدول على حماية الشركات الأجنبية وفرض استراتيجية “تكبيد الخسائر لحضة تعرضها لضربات عسكرية تضعف
الخلايا السرية بديلاً عن نزع السلاح
ان إنشاء هذه الخلايا لا يعني بالضرورة فقدان إيران لسيطرتها على ايقاع الفصائل العراقية الموالية لها ، بل يعكس تحولاً استراتيجياً وتكيفاً مع المتغيرات السياسية والعسكرية لضمان استمرار نفوذها وإبعاد الشبهات عنها ، فالخطوة تُفسر أمنياً وبنيوياً كإعادة هيكلة ذكية لأدوات طهران وليست دليلاً على انفلات الفصائل التقليدية لتجنب الحرج السياسي للفصائل الكبرى التي أعلنت مؤخراً نيتها تسليم السلاح والانخراط الكامل في المشهد السياسي والتحالف الحكومي لتفادي الاصطدام بضغوط إدارة ترامب ، حيث لاترغب طهران اجبار هذه الفصائل على الانتحار السياسي، بل تسمح لهم بالدخول في الدولة، بينما تنشئ خلايا “موازية” صغيرة لتنفيذ المهام العدوانية دون إحراج الحلفاء السياسيين ، فعندما تنفذ خلايا صغيرة ومجهولة الهوية ضربات بمسيرات ضد الخليج، يصعب على أجهزة الاستخبارات الدولية ربطها بـ “الحشد الشعبي” أو فصائل معروفة داخل الحكومة العراقية ، كونها من جهة يحمي بغداد من العقوبات الأمريكية، وتحمي إيران من الرد العسكري المباشروكذلك ترشيد النفقات والاستهلاك الاقتصادي، على اعتبار ان الا -قتصاد الإيراني يمر بضغوط واستنزاف شديدين وتمويل خلايا مجهرية تتكون من (8 – 10 أفراد لكل خلية) يمتلكون تكنولوجيا الطائرات المسيرة أقل كلفة بكثير من الإنفاق المالي الضخم المطلوب لإعالة جيوش وميليشيات جرارة، مع تحقيق نفس التأثير الأمني والردعي وهذا يعني نحن أمام قاعدة الطاعة العمياء تضمن لطهران العمل الاستخباري دون أختراق.
تأثيرات التحول على مستقبل العلاقات العراقية الخليجية
يؤثر تحول الحرس الثوري الإيراني إلى “خلايا الظل” السرية سلباً وبشكل حاد على مستقبل العلاقات العراقية الخليجية، حيث ينقلها من مرحلة “الانفتاح والشراكة الاقتصادية” إلى مرحلة “الدفاع النشط والتوتر الأمني والتدويل القانوني” فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي بذلتها بغداد لتصفير الأزمات مع محيطها العربي، جاءت تداعيات الحرب الإقليمية الأخيرة والهجمات المكثفة بالمسيرات الموجهة ضد عواصم الخليج (لا سيما الهجمات على الكويت والسعودية والإمارات) لتفرض واقعاً معقداً وهذا يعني اننا أمام أزمة ثقة وتآكل لمفهوم “الحياد الإيجابي” وصعوبة في الفصل بين الموقف الرسمي لحكومة الزيدي (الذي يدين الهجمات ويصفها بالإجرامية) وبين العجز الميداني للدولة عن منع انطلاق هذه المسيرات من أراضيها وهذا يعني تبدل النظرة للعراق وتحولها في المنظور الأمني الخليجي من بلد يسعى للحياد الإيجابي والنأي بالنفس عن الصراعات، إلى “ساحة اشتباك مفتوحة” ومنطلق مباشر للتهديدات الأمنية التي تمس سيادة دول مجلس التعاون التي لم تعد تكتفي بالدفاع الجوي ، بل انتقلت لمرحلة “الردع النشط” الذي تجلى في القصف الجوي والاعتراضات العسكرية لضرب منصات ومواقع انطلاق الطائرات المسيرة في جنوب العراق وملاحقة شبكات الدعم الخاصة بها ، يضاف الى ذلك ، ان هذا التوتر الأمني سيهدد بوقف أو إبطاء تدفق الاستثمارات الخليجية الضخمة التي كانت مقررة لإعادة إعمار العراق وضخ حزم مالية استثمارية على ضفتي الخليج واستخدام ورقة التدويل القانوني والدبلوماسي داخل مجلس الأمن الدولي نتيجة الأعمال العدائية المنطلقة من العراق.
الخلاصة
إن طهران لم تفقد “ضبط الإيقاعها على الفصائل العراقية” وانما قامت بتغيير النوتة الموسيقية لتبديل الأدوار ، حيث تركت الفصائل التقليدية تحافظ على نفوذ إيران السياسي والتشريعي في بغداد، بينما تولت الخلايا السرية الجديدة الحفاظ على لغة الصواريخ والمسيرات في الإقليم ، كونها انتقلت من مرحلة الميليشيات العلنية الكبيرة إلى مرحلة الخلايا السرية المجهرية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
- سياسياً: الحفاظ على الميليشيات العراقية الكبرى داخل الحكومة والبرلمان لضمان السيطرة على الدولة العراقية وثرواتها، دون تشويه صورتها السياسية بتبني ضربات عسكرية.
- عسكرياً: استمرار ضرب المصالح الخليجية والأمريكية عبر خلايا نُخبوية صغيرة مرتبطة مباشرة بطهران، مما يمنحها مرونة وسرعة في التنفيذ وتفادي الاختراقات الاستخباراتية.
- أمنياً: حماية إيران وبغداد من الرد العسكري المباشر ، على اعتبار ان الهجمات تنطلق من الصحراء بأيدي مجموعات مجهولة، ما يمنح طهران ميزة “الإنكار الإيجابي” لارباك الخصوم في تحديد من يعاقبون.
- استراتيجياً: إيران جعلت الميليشيات الكبرى واجهة سياسية وقانونية للحكم، بينما تحولت الخلايا السرية الجديدة إلى يدها العسكرية الضاربة خلف الكواليس.
























