بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
منذ أربعة عقود ونيف، والشرق الأوسط ينام ويستيقظ على إيقاع طبول الحرب بين واشنطن وطهران. تارة تشتعل الجبهات عبر الوكلاء، وتارة أخرى تحبس الأنفاس مع اقتراب المواجهة المباشرة، ليبقى السؤال المعلق في فضاء السياسة لغزاً يحير العقول: هل نحن أمام حرب وجودية لا تنتهي إلا بسقوط أحد الطرفين، أم هي مجرد لعبة مصالح باردة تُدار خلف كواليس الدبلوماسية وسماسرة الحروب؟
الخطاب الأيديولوجي: وهم المعركة الوجودية
في العلن، يرتدي الصراع ثوباً أيديولوجياً صارماً يُوحي بالوجودية المطلقة ، بالنسبة لطهران تُمثل مواجهة الولايات المتحدة “شريان الحياة” الذي يغذي شرعية النظام الثوري؛ فشعار “الموت لأمريكا” ليس مجرد هتاف في الميادين، بل هو الركيزة التي بُنيت عليها عقيدة تصدير الثورة ومقاومة “الاستكبار العالمي ، بالمقابل غالباً ما تُصوّر واشنطن النظام الإيراني كمهدد أساسي للاستقرار العالمي، ومقوض للديمقراطية، وراعي للإرهاب الذي يجب لجمه لحماية الحلفاء وتأمين تدفقات الطاقة ، ولهذا بات الضجيج الإعلامي يوهم الشعوب بأن المعركة صفرية، وأن بقاء أحدهما يعني حتماً فناء الآخر.
الغرف المغلقة وحقيقة “البراغماتية الباردة”
عندما تُخمد الأضواء وتُغلق أبواب التفاوض السرية في اسلام اباد ومسقط أو الدوحة، تتبدد الأيديولوجيا وتحضر لغة الأرقام والمصالح البراغماتية فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن الطرفين يتقنان السير على حافة الهاوية دون السقوط فيها؛ فالنظام الإيراني، الذي يضع “البقاء والحفاظ على الذات” كأولوية قصوى تفوق أي شعار، يعلم تماماً أن الحرب الشاملة مع قوة عظمى هي انتحار سياسي، لذلك يفضل دائماً خوض حروب بالوكالة واستخدام “الصبر الاستراتيجي”. ومن جهتها، لا تبحث الولايات المتحدة عن إسقاط النظام الإيراني عسكرياً عبر غزو مكلف يُعيد كوابيس العراق وأفغانستان، بل تسعى إلى “احتواء سلوكه”، وضبط طموحه النووي، وإبقائه في حالة ضعف تمنعه من السيطرة الكاملة على الإقليم، دون تدميره بشكل يفجر فوضى عارمة لا يمكن السيطرة عليها.
المأساة الحقيقية: الشعوب تدفع الثمن
بين حدة الشعار الوجودي وبرود الحسابات المصلحية، تقع المأساة الحقيقية ، فالشعوب في إيران، واليمن، وسوريا، ولبنان، والعراق هي من تدفع الفاتورة الحقيقية لهذا التوازن المقيت ، يدفعونها من اقتصادهم ومستقبل أبنائهم وأمنهم اليومي فيُسحق الإنسان وسط رحى العقوبات الاقتصادية الخانقة من جهة، ومغامرات التمدد الإقليمي من جهة أخرى ، لإن الصراع الأمريكي الإيراني هو مزيج معقد؛ هو “وجودي” في خطابات الحشد الداخلي وتثبيت العروش، لكنه “مصلحي” بحت في دفاتر الحسابات السياسية والجيو-استراتيجية ولهذا لن تنتهي هذه المواجهة بضربة قاضية، بل ستستمر كمعركة استنزاف طويلة، يتحكم في حرارتها وسخونتها مهندسو المصالح، بينما تظل شعوب المنطقة رهينة لـ “ستار حديدي” من الأزمات المستمرة ولهذا أن الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة قد تدفع بنظام الملالي إلى حافة النهاية، إلا أن هذه الرؤية تقابلها أيضاً قراءة أخرى ترى في النظام قدرة على الصمود؛ ما يجعل مصير هذه الحقبة معلقاً بين سيناريوهين رئيسيين.
- المؤشرات الداعمة لفرضية “اقتراب النهاية“
يرى أصحاب هذا الرأي أن رغبة المجتمع الدولي والإقليمي في تغيير السلوك الإيراني أو إنهاء الحقبة الحالية تتقاطع مع عوامل داخلية حاسمة من خلال استخدام ورقة العزلة الإقليمية والدولية عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، وتصاعد وتيرة الضربات العسكرية ضد الأذرع الإقليمية لطهران، مما يضعف استراتيجية “الدفاع المتقدم” التي اعتمد عليها النظام لعقود، يضاف الى ذلك الرفض المجتمعي الداخلي لجيل الشباب الجديد في إيران الذي أظهر جرأة غير مسبوقة في التعبير عن رغبته بإنهاء الحكم الثيوقراطي، حيث لم تعد الاحتجاجات تقتصر على مطالب معيشية بل تحولت لمطالب سياسية جذرية وكذلك وجود شبه إجماع إقليمي ودولي على أن بقاء السياسات الإيرانية الحالية يهدد أمن الطاقة العالمي والملاحة البحرية، ما يدفع نحو تضييق الخناق المالي والسياسي على النظام حتى لحظة الانكسار.
2. المؤشرات الداعمة لفرضية “الاستمرارية والصمود“
على الجانب الآخر، هناك خبراء يرون أن التمنيات الإقليمية والدولية لا تترجم بالضرورة إلى سقوط سريع للنظام الذي يمتلك النظام العقائدي في إيران جيشاً موازياً ومؤسسات أمنية ضخمة (كالحرس الثوري والباسيج) حيث ترتبط مصلحتها الوجودية ومكاسبها الاقتصادية ببقاء النظام، ومستعدة لاستخدام أقصى درجات العنف لحمايته ، حيث يفتقر الحراك المعارض في إيران (سواء في الداخل أو الخارج) إلى قيادة موحدة أو مشروع سياسي بديل يحظى بإجماع شعبي ودعم دولي واضح، ما يجعل التغيير الجذري مغامرة غير محسومة النتائج ، يضاف الى نجاح طهران في بناء شبكة أمان اقتصادية وسياسية مع قوى عظمى مثل الصين وروسيا، ما يتيح لها الالتفاف على العزلة الغربية وتأمين موارد مالية ودبلوماسية تدعم بقاءها ولهذا نعتقد ان الرغبة الدولية والإقليمية في إنهاء هذه الحقبة هي عامل ضغط “مساعد” لكنها ليست العامل “الحاسم”؛ فمستقبل نظام الملالي سيتحدد في النهاية بناءً على موازين القوى الداخلية في الداخل الإيراني، ومدى قدرة الشارع والظروف الاقتصادية على تفكيك قبضة المؤسسة العسكرية الحاكمة.
النتائج والتوقعات
لا توجد لدى بكين وموسكو أي رغبة في التضحية بجنودهم أو خوض مواجهة عسكرية مباشرة لإنقاذ النظام الإيراني من السقوط الحتمي، حيث تتعامل القوتان مع طهران بناءً على “حسابات مصلحية باردة” وليس كحليف استراتيجي تجب حمايته بأي ثمن ، خصوصاً ان موسكو تنظر إلى إيران كشريك حيوي ومفيد لإشغال الولايات المتحدة واستنزاف مقدراتها الإقليمية، وتعمق هذا التعاون من خلال ملفات التسليح وتبادل التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية ، بينما تتعامل بكين مع إيران من منظور “الجغرافيا الاقتصادية”؛ فهي مصدر للنفط الرخيص والمخفض، وعقدة جغرافية هامة ضمن مبادرة ” طريق الحرير التاريخي”.



























