بقلم: ذكرى البياتي
قال لي صديقي:أنتِ امرأة غريبة المزاج، باردة العاطفة… أما عرفتِ الحب يومًا؟
ابتسمت وقلت:يا صديقي، لم يكن الحب يومًا غايتي، ولم أسعَ إليه كما يسعى الآخرون. كنتُ أؤمن أن الحرية وطنٌ لا يضاهيه وطن، وأن روحي أوسع من أن تُحاصرها مشاعر رجلٍ شحيح التعبير، متقلب الكلمات، غافلٌ عن التفاصيل التي تُنعش القلب.
لطالما كنتُ أشفق على الطيور في الأقفاص، لأنها تشبهني أكثر مما ينبغي. خُلقتُ مثلها لأحلّق في فضاءٍ مفتوح، وأتنفس العزلة كما يتنفس غيري الحب. فلا أطيق الركود طويلًا، ولا أُجيد الإقامة في الأماكن أو القلوب التي تضيق بروحي.
فكيف لك أن تظن أنك قادر على احتجاز مشاعري بين نبضات قلبك؟
لا تطلب مني أن أحب، ولا تقترب أكثر مما ينبغي. فقد صار قلبي يكتفي بمهمته الأولى… أن يضخ الدم، أما العطاء فقد استنزفته خيباتٌ تركت في الروح ندوبًا لا تُرى.
لا تغضب من آرائي، ولا تحاكم اختياراتي. فأنت لا تعرف مقدار قلقي من العلاقات التي تبدأ جميلة ثم تُثقل القلب بقيودها. يرهقني الاهتمام المبالغ فيه، وتربكني الغيرة، وتخنقني المواعيد المتكررة، ويستنزفني ذلك التفكير الطويل الذي يسمونه حبًا.
ولستُ مستعدة لأن يوقظني أحد عند الرابعة فجرًا ليخبرني أنه يشتاق إليّ، أو أن يحاصر أيامي بالمكالمات والرسائل. يكفيني أن تعرف اسمي، وربما المدينة التي وُلدت فيها، أما ما تبقى فهو مساحة تخصني وحدي.
اعذرني… فأنا لم أعتد البوح، ولم أتعلم كيف أتنازل عن حريتي. أنا امرأة وجدت في الوحدة سلامًا، وفي الاستقلال حياة.
ولا تستفزني برسائلك المتكررة، فأنت ما زلت بعيدًا عن فهم ما أعنيه.
ليست المشكلة فيك… بل في ذاكرتي التي تأبى أن تغادر زمنها الجميل. ما زالت معلقة بمراسلات الحمام الزاجل، وبالعيون التي كانت تقول كل شيء دون كلمات، وبالأحاسيس الصادقة، ومحطات القطار التي كانت تحمل شوق العائدين، وأغنيات وردة، وأم كلثوم، وعبد الحليم، حين كان الليل موعدًا للحنين، وكان اللقاء حلمًا يُنتظر.
لذلك لا تلمني يا صديقي…
فأنا امرأة من القرن الماضي، أؤمن بأن الحب لا يُقاس بكثرة الرسائل، ولا بطول المكالمات، بل بصدق الحضور، ووفاء المشاعر، وبقلبٍ يعرف كيف يبقى، حتى في غياب الكلام.
وربما لا أخشى الحب… بل أخشى أن أفقد نفسي وأنا أبحث عنه. فبعض النساء لا ينقصهن قلبٌ يحب، بل روحٌ تجد من يصون اتساعها. وإذا جاء الحب يومًا، فليأتِ دون أن ينتزع مني حريتي، ودون أن يطلب مني أن أكون نسخةً لا تشبهني. فالحب الحقيقي لا يبني أقفاصًا، وإن كانت من ذهب، بل يفتح النوافذ للروح كي تحلّق، ثم يبقى واقفًا على عتبتها… مطمئنًا أنها ستعود باختيارها.




























