بقلم: د. حيدر زويّر
يبقى نجاح أي اتفاق بين واشنطن وطهران مرهوناً في الأساس بقدرة الطرفين على تجاوز عقبة اقتصادية كبرى: العقوبات الأمريكية المتراكمة منذ عام 1979. هذه العقوبات برغم تعقيد منظومتها القانونية، تبقى في جوهرها أداة ضغط استراتيجية يصعب على صانع القرار الأمريكي التفريط بها، ومع ذلك؛ تظل مسارات تقنية معينة، مثل آليات “الاستثناءات”، نافذة ممكنة للعبور نحو مرحلة “ما بعد الاتفاق”
غير أن التحدي الأعمق ليس اقتصادياً، بل فكري في صميمه، يتمثل في “عقيدة مواجهة التحديث” التي يتمسك بها التيار المحافظ في إيران، فهذه العقيدة لم تعد قناعة دينية عابرة، بل أصبحت ركيزة من ركائز النظام السياسي نفسه، وفي المقابل؛ توجد أصوات إصلاحية حقيقية، دينية وليبرالية، لكن التصلب الذي أظهره المحافظون مؤخراً يضع أمامها عقبات جسيمة، ومع ذلك؛ فإن قراءة موضوعية لواقع النخبة الإيرانية، وقدرتها على استيعاب اللحظات التاريخية الفارقة، تجعل من ولادة سياسة إصلاحية حداثية أمراً ممكناً، وإذا تبلور هذا التحول، فإن أثره سينتقل مباشرة إلى المشهد العراقي، فهو سيمنح النخبة الإصلاحية الشيعية دفعة استراتيجية حقيقية في مواجهة ما يمكن وصفه بـ”المشيخة السياسية”، التي تمثلها قوى الإطار التنسيقي، وهذه “المشيخة” ليست في جوهرها سوى انعكاس مشوه للمحافظية، كما سيمنحها سنداً إضافياً في مواجهة معادلة “أمراء المكونات الثلاثة”، الذين استقروا طويلاً على رأس السلطة والثروة.
و”عراق ما بعد الاتفاق” ليس فرضية نظرية بعيدة، بل معطى سياسي يتشكل أمامنا الآن، وتؤكد ذلك بوضوح ملامح حكومة الزيدي، والحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوده السفير الأمريكي توم براك مع الفاعلين العراقيين أمام هذه المعطيات الإقليمية والدولية المتسارعة، بات على النخبة الإصلاحية في العراق أن تبادر إلى صياغة خطاب سياسي وطني بديل؛ لا بصفته استجابة لظرف عابر، بل بصفته ضرورة حتمية لفرض حضورها في تشكيل مستقبل الدولة، بعيداً عن تركة المحاصصة والجمود السياسي.


























