بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لضمان مصالحها الحيوية والاستراتيجية، والتي تتركز بشكل أساسي على منع ظهور تهديدات جديدة مرتبطة بالنفوذ الإيراني وتأمين إمدادات الطاقة العالمية، وضمان استمرار التعاون الأمني والاستخباراتي لمكافحة الإرهاب ، حيث تتركز الأبعاد الحقيقية لزيارة المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، “توماس باراك”، حول إعادة رسم خريطة النفوذ وتأمين المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة وتشمل هذه الزيارة ترتيبات سياسية وأمنية بالغة الحساسية تتعلق بضبط الفصائل الموالية لايران وتقليص نفوذها العسكري لضمان استراتيجية واشنطن الشاملة بالمنطقة ومنع التصعيد الإقليمي ، حيث تشكل زيارة المبعوث الأمريكي منعطفاً كبيراً نحو اختبار قدرة رئيس الوزراء العراقي على تنفيذ الشروط الأمريكية ، مقابل تقديم دعم أميركي لحكومة الزيدي لاستكمال التشكيلة الحكومية (لا سيما الوزارات السيادية والأمنية)، وضمان تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ التزاماتها الاقتصادية والسياسية أمام الإدارة الأميركية وملفات التسوية العالقة مع حكومة أقليم كوردستان قبيل زيارته المرتقبة الى واشنطن.
الموقف الايراني
نظراً للتنافس الشديد بين واشنطن وطهران ومدى نفوذهما بالساحة الذي تحكمه حسابات أمنية واستراتيجية معقدة، ورغم التفاهمات الإقليمية الأخيرة، فإن إيران تعتبر العراق عمقاً جغرافياً وسياسياً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه ، حيث تتحرك طهران لحماية مصالحها في العراق من خلال عدة مسارات تكتيكية تتعلق بالاتفاقات الكبرى والصفقات الشاملة مع المؤسسات العراقية ، الا ان التراجع الإيراني النسبي جاء متزامناً مع توقيع مذكرة التفاهم التاريخية بين الولايات المتحدة وإيران لوقف العمليات العسكرية ، قد يدفع طهران بتقليص أو تنظيم أدوار الفصائل المسلحة كجزء من ترتيبات إقليمية أوسع تضمن رفع الحصار وعودة تصدير النفط الإيراني وهذا ما انعكس على أرض الواقع من حيث التغيير الواضح لاستراتيجية الفصائل المسلحة بعد إصرار حكومة “علي الزيدي” الجديدة والضغوط الأميركية عبر المبعوث “توم باراك” على حصر السلاح بيد الدولة ، قد دفع طهران إلى توجيه حلفائها للتكيف مع المرحلة عبر “الانحناء للعاصفة” بدلاً من المواجهة المباشرة، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج زيارة الزيدي المرتقبة للبيت الأبيض في يوليو ، مايعني ان النفوذ السياسي والاقتصادي لايران في العراق لايقتصر على سلاح الفصائل وانما بشبكة النفوذ السياسي العميق داخل البرلمان والقوى السياسية الحاكمة، بالإضافة إلى ترابط اقتصادي وثيق مع بغداد في مجالات الطاقة والتجارة يمنحها أوراق ضغط مستمرة.
حكومة الزيدي وحقول الألغام
يجد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نفسه اليوم في أصعب اختبار سياسي منذ توليه منصبه، حيث يتحرك في حقل ألغام حقيقي بين مطالب أميركية صارمة وحسابات إيرانية معقدة.تتجلى أبعاد هذا الموقف الحرج في عدة نقاط أساسية:
- المطرقة الأميركية والشروط الصارمة: تضغط واشنطن بقوة عبر مبعوثها “توم باراك” لفرض واقع جديد؛ حيث لم تعد تقبل بالوعود الشفوية ، حيث تطالب الإدارة الأميركية الزيدي بخطوات عملية لتفكيك الفصائل المسلحة، حصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنصة تهديد إقليمية، وتربط دعم حكومته واستمرار تدفق الأموال والتفاهمات الاقتصادية بمدى جديته في تنفيذ هذه الشروط.
- السندان الإيراني والعمق السياسي: تدرك طهران أن بقاء الزيدي في السلطة واستقرار حكومته يعتمد جزئياً على التوافق مع القوى السياسية الشيعية القريبة منها؛ لذا فإن أي اندفاع من الزيدي لتلبية المطالب الأميركية بشكل صدامي قد يهدد غطاءه السياسي الداخلي ، كون إيران لن تسمح باقتلاع نفوذها، وتضغط لضمان ألا تترجم “مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية” الأخيرة إلى إقصاء كامل لحلفائها في بغداد.
- استراتيجية ” السير على الحبل المشدود”: يحاول الزيدي انتهاج سياسة واقعية تقوم على الموازنة والتكيف ، فهو يستغل “الهدنة” الناتجة عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لتمرير قرارات حصر السلاح بوصفها مصلحة وطنية عراقية، وليس استجابة لإملاءات خارجية، ما يتيح للفصائل فرصة للانحناء أمام العاصفة دون خسارة ماء وجهها.
- اختبار “زيارته المرتقبة لواشنطن: تمثل زيارة الزيدي القادمة إلى البيت الأبيض المحطة الفيصل؛ إذ يتعين عليه تقديم خطة متوازنة تضمن لواشنطن أمن مصالحها وتحجيم السلاح المنفلت وفي الوقت نفسه تطمئن طهران بأن العراق لن يتحول إلى قاعدة انطلاق لأي مخططات تستهدف الأمن القومي الإيراني ، ويعتمد نجاح الزيدي في النجاة من هذا الضغط المزدوج على مدى قدرته على تحويل العراق من “ساحة لتصفية الحسابات” إلى “جسر للتفاهمات الإقليمية”، مستغلاً رغبة الطرفين (القمة الأميركية والإيرانية) في الحفاظ على التهدئة الحالية وتجنب الانزلاق نحو فوضى غير محسوبة.
الفصائل الولائية المسلحة وقوة تأثيرها
تمتلك الفصائل المسلحة الموالية لإيران أوراق قوة حقيقية تجعل من الصعب جداً تحييدها أو إنهاء نفوذها بقرار حكومي أو بضغوط أميركية على الرغم من وجود “مذكرة تفاهم” وتراجع حدة العمليات العسكرية مؤقتاً، إلا أن هذه الأذرع تتحرك وفق استراتيجية تضمن بقاءها كلاعب رئيسي في العراق من خلال تغلغلها الممنهج في مؤسسات الدولة ، حيث لم تعد هذه الفصائل مجرد مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من النظام السياسي والأمني عبر تمثيلها الواسع في البرلمان، والوزارات الخدمية، وهيئة الحشد الشعبي الرسمية ، الامر الذي منحها غطاءً قانونياً ومالياً من موازنة الدولة يصعب تفكيكه ، اضافة الى إعادة تموضعها التكتيكي بعد قرار نزع السلاح قد يدفعها للاستجابة وتجميد نشاطها العسكري المباشر أو الاندماج الصوري تحت مظلة القوات الرسمية، وهي مناورة تكتيكية تهدف إلى الانحناء العاصفة الحالية وتجنب الاصطدام المباشر مع حكومة “علي الزيدي” والجيش الأميركي، بانتظار تغير الظروف السياسية ، مع الاحتفاظ بنفوذها الكبير والسيطر على مفاصل الاقتصاد الموازي الذي يشمل المعابر الحدودية، والمشاريع الاستثمارية، وشبكات التجارة ، ما يمنحها استقلالية مالية وقدرة على المناورة حتى في حال فرض عقوبات أميركية صارمة على القطاع المصرفي العراقي ، اضافة الى استخدامها ورقة الشارع والشرعية العقائدية ، حيث تمتلك الفصائل قاعدة جماهيرية وتستند إلى خطاب “مقاومة النفوذ الأجنبي” والدفاع عن المذهب وهي أوراق جاهزة للاستخدام لإشعال الشارع أو الضغط على الحكومة إذا شعرت بوجود تهديد حقيقي لوجودها ، أو إذا تجاوز الزيدي الخطوط الحمراء في تفاهماته القادمة مع واشنطن ، فإن محاولة تحجيم هذه الأذرع لن تكون نزهة سهلة لواشنطن، وأي ضغط مفرط لتفكيكها بالقوة قد يدفع العراق نحو سيناريوهات مأساوية من الفوضى الأمنية التي لا ترغب فيها واشنطن ولا طهران في الوقت الحالي.



























