بقلم: أ. د. محمد طاقة
تُعد مسرحية ( في انتظار جودو ) للكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت ، والتي عُرضت لاول مرة عام (1953)، واحدة من اشهر الأعمال الأدبية التي تناولت عبثية الوجود الإنساني .
وقد اثارت المسرحية جدلاً واسعاً بسبب ابتعادها عن البناء الدرامي التقليدي ، وطرحها اسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحياة والانتظار والأمل .
تدور احداث المسرحية حول شخصين يجلسان تحت شجرة في مكان مقفر ، ينتظران شخصاً يدعى ((جودو )) ، لاتعرف من هو جودو على وجه التحديد ، ولا نعرف سبب تأخره ، لكن الرجلين يعتقدان ان قدومه سيغير حياتهما ويخلصهما من بؤسهما .
وبينما يستمران في الانتظار ، لا يفعلان شيئاً
سوى تبادل الأحاديث المتقطعة والمتناقضة ، وكأنهما يملآن فراغ الزمن بانتظار حدث قد لايقع ابداً .
تكمن رمزية المسرحية في ان جودو لايأتي ، فالانتظار يتكرر ، يوماً بعد آخر دون نتيجة ، ويتحول الأمل إلى حالة من الشلل والعجز .
ومن هنا أراد (بكيت ) أن يصور الإنسان المعاصر وهو يبحث عن معنى لحياته أو عن قوة خارجية تنقذه من ازماته ، بينما تمر السنوات دون أن يتحقق ما ينتظره .
واذا كانت المسرحية قد تناولت هذه الفكرة في اطار أدبي وفلسفي ، فإن الواقع الإنساني يقدم نماذج عديدة لانتظار طويل امتد عبر القرون ، فهناك ملايين البشر الذين يؤمنون بظهور مُخلّص سيأتي في المستقبل ليقضي على الظلم والفساد ، ويملأ الارض عدلاً وسلاما ً. ونحن منذ اكثر من الف عام في انتظار المنقذ المُخلّص الغائب لينقذ البشرية ، ولكن ظهوره مقرون بأن يعُم الفساد والظلم والفقر والقتل والجوع والمرض في كل العالم ، وعلينا نحن ان نعمل على تحقيق ذلك ، حتى نعجل ظهوره . وهؤلاء الملايين يؤمنون بهذا المنطق اللامعقول واللاعقلاني والذي لايقبله ولا يستوعبه العقل البشري السوي .
وقد اصبح هذا الانتظار اللامجدي جزءاً من وعي جماعي استمر لأكثر من الف عام ، حتى بات يشكل لدى البعض املاً مؤجلاً يربط خلاص البشرية بحدث مستقبلي مجهول الزمن .
إن اخطر ما في الانتظار الطويل ( الأبدي) انه قد تحول إلى ثقافة تبرر العجز وتؤجل المسؤولية ، فعندما يقتنع الإنسان بأن الحل سيأتي من الخارج ، فإنه قد يتراجع عن دوره في صناعة مستقبله ، بدلاً من مواجهة المشكلات والعمل على حلها ، ويكتفي بترقب حدث استثنائي يضع حداً لكل الأزمات دفعة واحدة .
إذن ماقيمة الحياة البشرية إذا كان مصيرنا الانتظار دون معرفة من ننتظر ، ان ذلك يعبر عن محنة الإنسان العبثية حيث يظل البشر يبحثون عن هدف او خلاص خارجي وهمي دون جدوى ، فالحياة لاتحمل غاية واضحة والانسان يبحث عبثاً عن هدف أو مُخلّص يمنح لوجوده قيمة .
الانتظار الأبدي يعبر عن ازمة الإنسان الحديث حيث يعيش معلقاً بين الامل الكاذب والواقع المحبط . فالانتظار يسلب الإنسان ارادته وقدرته على التفكير والتطور .
كما ان الانتظار المستمر قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة ، فهو يرسخ الشعور بالإحباط والعجز ، ويجعل الإنسان يعيش بين واقع مؤلم وأمل مؤجل ، ومع مرور الزمن يتحول الأمل إلى حالة من الترقب الدائم، ويصبح المستقبل مرهوناً بشخص أو حدث لايملك أحد دليلاً على موعد حدوثه .
إن التقدم الإنساني عبر التاريخ لم يتحقق بانتظار المنقذين ، بل بجهود البشر انفسهم فالعلماء الذين اكتشفوا اسرار الطبيعة ، والمفكرون الذين دافعوا عن الحرية والشعوب التي ناضلت من اجل حقوقها ، لم ينتظروا مُخلّصاً يأتي من الغيب ليغير واقعهم ، بل صنعوا التغيير بإرادتهم وعملهم وتضحياتهم .
ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من هذه المسرحية ، هي ان الإنسان لا ينبغي ان يجعل حياته رهينة لانتظار ابدي ، فالحياة تكتسب معناها من العمل والفعل والسعي المستمر لا من التعليق الدائم للآمال على مجهول قد لا يأتي أبداً .
لقد طال انتظار (جودو ) ولم يصل ، وما زال بطلا المسرحية يحدقان في الطريق ، والسؤال الذي يطرحه الواقع بدوره كم من الأعمار يمكن ان تمضي في انتظار مُخلّص غائب منذ قرون ، قبل ان يقرر الانسان ان يكون هو صانع التغيير بنفسه ؟ وعلينا ان ندرك ان (( غسيل الأدمغة اخطر بكثير من غسيل الاموال ))


























