بقلم: ا.د عبدالرزاق الدليمي
منذ احتلاله في نيسان 2003 والعراق يرزح تحت وطأة معادلة سياسية غريبة الأطوار لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج تعثر ديمقراطي عابر، بل يبدو أنها صُممت بدقة في دهاليز مراكز القرار التي أدارت الغزو. السؤال الذي يطرحه الشارع العراقي بمرارة امس واليوم: لماذا يتعمد الاحتلال الأمريكي غبن حق شعب يمتلك إرثاً حضارياً وعلمياً هائلاً ويسمح بتصدر الجهلة والمتخلفين للمشهد السياسي؟
إن المتأمل في تشكيلة الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى الحكومة الحالية !! يلحظ ظاهرة خطيرة تتمثل في انحدار الكفاءة …. فبينما يزخر العراق بآلاف العقول المهاجرة والعلماء والمخططين التي تستفاد منهم دول وانظمة كثيرة نجد أن كراسي الوزارات والمناصب السيادية غصّت بأشخاص لم تكن مؤهلاتهم سوى القرب الشخصي من زعماء الكتل. لقد تحول المشهد إلى مفارقة مأساوية ؟! حيث يجد العراقيون أنفسهم محكومين بمجموعة من السكرتارية وسائقي الحمايات وعمال الشاي ومديري المكاتب التابعين للطبقة السياسية الحاكمة ؟؟؟!! والذين انتقلوا بقدرة قادر من أدوار خدمية وتنسيقية بسيطة إلى سدة القرار الوطني.
هذا الاختيار المتعمد للعناصر غير الكفوءة ليس مجرد سوء إدارة بل هو إستراتيجية أمريكية واضحة تهدف إلى تسطيح وتهميش الدولة العراقية. فالأمريكيون ؟! الذين يمتلكون أقوى أجهزة الاستخبارات ويرصدون كل صغيرة وكبيرة في المنطقة يرون بأعينهم هذا التردي ويسمعون أنين الشعب من الفساد والفشل لكنهم لا يحركون ساكناً. الصمت الأمريكي هنا هو مباركة ضمنية ؟؟!! لأن حكم الجهلة يضمن بقاء العراق في حالة من الفوضى المستدامة والتبعية ويمنع نهوض دولة قوية ذات سيادة قد تشكل خطراً على مصالحهم أو تخرج عن طوع إرادتهم.
إن تشويه صورة العراقي أمام العالم هو الهدف الأخبث لهذه السياسة. فمن خلال تصدير نماذج حكم متخلفة في الخطاب والسلوك والإدارة يتم إيصال رسالة مفادها أن هذا الشعب غير قادر على حكم نفسه وأن هذه الوجوه هي أفضل ما أفرزه المجتمع ؟! وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. العراقي الذي بنى اقدم واعظم الحضارات ورفد العالم بالعلم والمعرفة يُراد له اليوم أن يظهر بصورة التابع والمطيع لمن لا يملك من العلم إلا القليل.
إن ما يحدث الآن مع الحكومة الحالية هو تكرار لسيناريو التجهيل الممنهج. فالوزير الذي يقضي وقته في خدمة ((سيده)) الحزبي الطائفي ؟! بدلاً من خدمة الوطن والمسؤول الذي لا يفقه في لغة الأرقام أو التخطيط الإستراتيجي، هو الأداة المثالية لضمان استمرار منظومة (المحاصصة والنهب)؟! الاحتلال لا يريد كفاءات وطنية تعيد للعراق هيبته وسيادته بل يريد أدوات تنفيذية تضمن استمرار المصالح الدولية والإقليمية على حساب رغيف خبز المواطن.
إن استمرار هذا النهج هو إهانة لكرامة الإنسان العراقي. إن السكوت على تحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات للمجهولين والجهلة هو طعنة في خاصرة المستقبل. على العالم أن يدرك وعلى العراقيين أن يعوا ؟! أن النهضة لن تتحقق ما دام (القرار) بيد من يرى في السلطة غنيمة وفي الكفاءة عدواً وفي الاحتلال سنداً لبقائه. إن حق الشعب العراقي في حكم نفسه عبر كفاءاته الأصيلة هو المطلب الذي لا يمكن التنازل عنه مهما حاول المخططون تشويه ملامح هذا الشعب العظيم.



























