بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تختلف مفاوضات الرئيسين الأمريكيين”دونالد ترامب وباراك أوباما” حول الملف النووي الإيراني في الاستراتيجية، والأهداف، والنتائج بشكل جذري وتنعكس الاختلافات الجذرية بين نهج أوباما الدبلوماسي وضغوط ترامب مباشرة على مستويات تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن الشروط الصارمة التي وضعها ترامب كبديل لاتفاق 2015 ، حيث اعتمد أوباما على الدبلوماسية متعددة الأطراف والعمل المشترك مع القوى الكبرى ضمن مايعرف بـ(مجموعة 5+1) التي تمخض عنها أبرم الاتفاق النووي التاريخي عام 2015 ورفع العقوبات الاقتصادية المرتبطة بالملف النووي عن إيران ، بينما فضل ترامب فضل النهج أحادي الجانب، والضغط المنفرد، والاعتماد على العلاقات الثنائية خارج المظلة الدولية وتمزيقه ورقة الاتفاق التي وقعها أوباما واعلانه الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، وأعاد فرض عقوبات مشددة ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى.
وعلى نطاق الأهداف والمطالب ، استخدم أوباما العقوبات كأداة للضغط بهدف دفع إيران إلى طاولة المفاوضات والوصول إلى تسوية و ركز بشكل حصري تقريباً على تجميد البرنامج النووي الإيراني ومنعها من حيازة قنبلة نووية ، في حين طالب الرئيس ترامب باتفاق شامل يدمج البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وتغيير سلوك إيران الإقليمي واستخدم العقوبات كوسيلة لخنق الاقتصاد الإيراني وإجبار النظام الايراني على الاستسلام أو السعي لتغييره.
علاقة الرئيسين مع الحلفاء الإقليميين
أمضى أوباما في اتفاقه مع ايران دون مراعاة حلفاءه الاقليميين مثل “إسرائيل ودول الخليج العربي الذين كانوا معارضين لهذا الاتفاق الذي مكن ايران فيما بعد من الاقتراب لصنع القنبلة النووية، واستخدام فلسفة “الاشتباك الذكي“ بذريعة أن عزل الدول المعادية لا يغير سلوكها، بل إن الحوار المباشر المشروط هو الوسيلة النجاعة لتفكيك الأزمات دون الانزلاق إلى حروب مكلفة ، خصوصاً ا
على عكس ترامب الذي نسق خطواته للانسحاب بشكل وثيق بالتنسيق مع إسرائيل ودول الخليج ودعم مواقفهم بالكامل وانتهاجه سياسة التنسيق الكامل و”السلام من خلال القوة لطمأنة الحلفاء الإقليميين الذين رأوا في الاتفاق النووي لعام 2015 تهديداً مباشراً لأمنهم، لأنه تجاهل ترسانة إيران الصاروخية وتمددها الإقليمي ولهذا جاء قراره بالانسحاب من الاتفاق عام 2018 متناغماً بالكامل مع الرغبة الإسرائيلية والخليجية لتشديد الخناق على طهران وبناء جبهة إقليمية موحدة ذات طبيعة استراتيجية ساهمت في إنشاء تحالف إقليمي علني ضد إيران، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لإبرام “اتفاقيات إبراهيم” للسلام، لدمج إسرائيل في المنظومة الأمنية للمنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني.
أسباب اعتماد أوباما على المفاوضات الدبلوماسية
- أوباما مؤمن بفلسفة “الاشتباك الذكي التي تعني عزل الدول المعادية لا يغير سلوكها، بل إن الحوار المباشر المشروط هو الوسيلة الأنجع لتفكيك الأزمات دون الانزلاق إلى حروب مكلفة.
- تجنبه الحروب المفتوحة ، كون مجيئه الى السلطة جاء بعد حربين طويلتين ومرهقتين لأمريكا في العراق وأفغانستان، وكان يرى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستشعل الشرق الأوسط بالكامل وتستنزف الاقتصاد الأمريكي.
- الشرعية الدولية والدعم متعدد الأطراف ، حيث يعتقد أن فرض القيود على إيران يكون أكثر استدامة وقوة إذا تم عبر مظلة دولية (مجلس الأمن والقوى الكبرى)، لضمان التزام عالمي بمنع طهران من حيازة سلاح نووي.
- تركيزه على عزل الملف النووي الايراني و حل المشكلة الأكثر خطورة (السلاح النووي) أولاً كخطوة مرحلية، معتقداً أن دمج إيران في الاقتصاد العالمي قد يغير سلوكها الإقليمي لاحقاً بالتدريج.
أسباب اعتماد ترامب على “القوة وصنع السلام“
- تبنى ترامب فلسفة “السلام من خلال القوة التي تقوم على أن الخصوم لا يقدمون تنازلات حقيقية إلا إذا شعروا بتهديد وجودي مباشر، وأن الدبلوماسية بدون قوة عسكرية واقتصادية ساحقة هي “ضعف”.
- يرى ترامب أن اتفاق 2015 منح إيران أموالاً طائلة (بسبب رفع العقوبات) واستخدمتها في تمويل أذرعها الإقليمية، دون تفتيش منشآتها العسكرية، صفقة سياسية سيئة تسمح لها بالعودة للتخصيب مستقبلاً.
- استخدم ترامب سلاح العقوبات الاقتصادية الأحادية الساحقة (الضغط الأقصى) لشل مفاصل الدولة الإيرانية، معتقداً أن خنق الاقتصاد سيوصل النظام إلى حافة الانهيار، مما يجبره على القدوم لطاولة المفاوضات مستسلماً وبشروط أمريكية كاملة.
- الردع العسكري المباشر واستخدام القوة الخشنة لترسيم “الخطوط الحمراء”، وهو ما تجسد في عمليات عسكرية حاسمة لردع التمدد الإيراني وحماية الحلفاء الإقليميين، لإيصال رسالة واضحة بأن أمريكا مستعدة للمواجهة.
شروط اوباما التفاوضية مع ايران
- تخفيض مخزون اليورانيوم: التزام إيران بخفض مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 98% والإبقاء عليه عند مستوى منخفض (3.67%) لمدة 15 عاماً.
- تقليص أجهزة الطرد المركزي: خفض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تمتلكها إيران من 19 ألف جهاز إلى حوالي 6 آلاف جهاز لمدة 10 سنوات.
- القيود على مفاعل أراك: إعادة تصميم مفاعل الماء الثقيل في “أراك” بحيث لا يمكنه إنتاج البلوتونيوم الذي يُستخدم في صنع الأسلحة النووية.
- إجراءات التفتيش الصارمة: منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وصولاً مستمراً ومراقبة صارمة لجميع المنشآت النووية الإيرانية وسلاسل التوريد.
- الشفافية الكاملة: إلزام إيران بتقديم تفاصيل حول ماضيها النووي للوكالة الدولية للطاقة الذرية لمعالجة أي مخاوف متعلقة بالأبعاد العسكرية المحتملة.
- رفع العقوبات المشروط: ربط تخفيف ورفع العقوبات الاقتصادية والنفطية تدريجياً بمدى التزام إيران الصارم بتطبيق بنود الاتفاقية.
- آلية إعادة العقوبات (الزناد): إدراج بند قانوني يُتيح إعادة فرض العقوبات الدولية تلقائياً في حال انتهاك إيران لأي من التزاماتها .
شروط ترامب التفاوضية مع ايران
- التسليم الكامل للمخزون النووي: تشترط واشنطن تسليم إيران لمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التهديد بتدميره عسكرياً إن لم يتم شحنه للخارج.
- تفكيك وإغلاق المنشآت الحساسة: يطالب المقترح الأمريكي بتفكيك وإغلاق منشآت نووية رئيسية مثل (نطنز، وأصفهان، وفوردو)، والإبقاء على تشغيل منشأة نووية واحدة فقط لأغراض مدنية مشروطة.
- تجميد وتحديد سقف للصواريخ الباليستية: تعليق برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية لمدد محددة (تصل إلى 5 سنوات)، ووضع قيود صارمة على مداها وأعدادها.
- حظر التخصيب نهائياً: فرض التزام دائم على إيران بعدم تخصيب اليورانيوم محلياً، وضمان عدم السعي نهائياً لامتلاك السلاح النووي.
- الرقابة وتأمين الملاحة الدولية: إلزام إيران بفتح مضيق هرمز بشكل آمن وفوري كشرط أساسي مسبق لقبول مسار التفاوض، وضمان حرية الملاحة بالتزامن مع فرض رقابة دولية صارمة ومستمرة.
- إنهاء النفوذ الإقليمي ودعم الحلفاء: الوقف الكامل لدعم الفصائل والجماعات الموالية لطهران في المنطقة، وإنهاء الضربات الموجهة لمنشآت الطاقة الإقليمية.




























