بقلم: محمود ذياب الأحمد
وزير عراقي سابق
رحل طاهر جليل الحبوش… ورحل معه رجلٌ من طرازٍ نادر، لا تُنصفه الكلمات مهما اجتهدت، ولا تفيه الحروف حقّه مهما طالت.
أبا همام… اليوم فقط أكتب، لا لأن الحقيقة غابت، بل لأن السكوت عنها بعد رحيلك لم يعد جائزًا. في حياتك، آثرت الصمت، لأنك لم تكن بحاجة إلى دفاع، ولم تكن ممن ينتظرون الإنصاف من الناس. كنت أكبر من كل اتهام، وأنقى من كل شبهة.
قيل عنك الكثير، ونسج البعض حول اسمك رواياتٍ لا تمتّ للحقيقة بصلة… اتهموك بما ليس فيك، وتحدثوا بما لا يعلمون. لكني، وأنا الذي عرفتُك عن قرب، أقولها شهادةً أمام الله والتاريخ: ما رأيت منك إلا العراقي الأصيل، النقي، المخلص، الذي لم يخن وطنه، ولم يساوم على مبادئه، ولم يبدّل كما بدّل غيره.
أبا همام… لن أنسى ذلك اليوم. كنتُ معك في ذي قار، في افتتاح جسر، تؤدي واجبك بهدوء وثبات. لم يكن أحدٌ يعلم أن قلبك مثقل بفقدٍ عظيم. لم تخبرني أن والدتك قد توفيت صباحًا، إلا بعد أن انتهى كل شيء. قلتها ببساطة: “سيدي، سأذهب إلى بغداد… والدتي توفيت صباحًا.” أي صبرٍ هذا؟ وأي إخلاصٍ هذا الذي يُقدّم الواجب على الألم؟
هكذا كنت… رجل دولة، ورجل مبدأ، ورجل وفاء.
رحلتَ كما عشت… نظيفًا، صادقًا، وفيًا. لم تخن “حليب أمك”، ولم تخذل وطنك، ولم تنكسر أمام العواصف.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك.
أما نحن… فسنبقى نروي الحقيقة، لا وفاءً لك فحسب، بل وفاءً للعراق الذي أحببته حتى آخر لحظة.
سلامٌ على روحك الطاهرة…





























