بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
لم يكن تأجيل الرئيس دونالد ترامب ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لم يكن قرارًا عشوائيًا، بل نتيجة مزيج معقد من الدوافع السياسية والعسكرية والاقتصادية. وفق المعطيات الحديثة، يمكن تلخيص “الدوافع الحقيقية” في عدة مستويات:
- فتح نافذة تفاوض (السبب المعلن… لكنه مهم)
ترامب نفسه صرّح أن هناك “محادثات جيدة ومثمرة” مع إيران، ولذلك قرر تأجيل الضربة لعدة أيام لإعطاء فرصة للدبلوماسية ومحاولة لاختبار نية إيران قبل التصعيد الكبير ، مايعني ان استخدام التهديد العسكري كورقة ضغط وليس كخيار فوري
- الخوف من رد إيراني واسع على البنية التحتية الإقليمية بعد تهديدها المباشر بأنها ستستهدف منشآت الطاقة في الخليج وربما مصالح أمريكية وإسرائيلية وهذا التهديد كان عاملًا حاسمًا في التراجع المؤقت ، لان ضرب الطاقة الإيرانية يعني حرب إقليمية شاملة على النفط والكهرباء قد تشمل دول الخليج (ومنها دول قريبة من الأردن)
- حماية سوق النفط والاقتصاد العالمي
أي ضربة لمنشآت الطاقة الإيرانية تعني، ارتفاعًا حادًا بأسعارالنفط واضطراب الأسواق العالمية
وقد لاحظنا أن مجرد إعلان التأجيل أدى إلى، انخفاض أسعار النفط بشكل ملحوظ تحسن الأسواق المالية و هذا يكشف دافعًا مهمًا ان واشنطن لا تريد صدمة طاقة عالمية قد تضرب الاقتصاد الأمريكي قبل غيره
- الحفاظ على “سقف التصعيد” دون الانزلاق لحرب شاملة
منذ بداية الحرب في 2026 ، قامت الولايات المتحدة باستهداف مواقع عسكرية لكنها تجنبت ضرب النفط مباشرة في مراحل سابقة أيضًا
هل تصريح ترامب يدخل في اطار تخفيض اسعار النفط
يمكن القول إن خفض أسعار النفط كان أحد الأهداف غير المباشرة من تصريح دونالد ترامب، لكن ليس الهدف الوحيد ولا الرئيسي بالضرورة ، كون سوق النفط حساس جدًا لأي توتر في الشرق الأوسط. وعند التهديد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية فان الأسعار ترتفع عند التهدئة أو التأجيل لذلك بمجرد إعلان تأجيل الضربة خفّف المخاوف من انقطاع الإمدادات ما أدى فعليًا إلى ضغط نزولي على الأسعار
هل التصريح هذا كان مقصودًا؟ غالبًا نعم جزئيًا، لأن ترامب معروف بأنه: يراقب أسعار النفط بشكل مباشر يربطها بالاقتصاد الامريكي وشعبيته السياسية وان خفض الاسعار يخدمه في تقليل التضخم داخل الولايات المتحدة الامريكية ، يضاف الى ذلك تحسين صورة ادارته من الناحية الاقتصادية ، وتجنبه من اي صدمة اقتصادية قد تكلفه اعباء سياسية .
التوقعات :
ان ضرب مصادر الطاقة يقابله شلّ الاقتصاد الإيراني بالكامل
وهذا قد يدفع إيران إلى رد غير قابل للسيطرة (إغلاق هرمز بالكامل مثلًا)
- ضغط الحلفاء والمخاوف الإقليمية
هناك مؤشرات على قلق دول المنطقة (الخليج تحديدًا) من استهداف منشآتها وضغوطات لعدم توسيع الحرب
كما أن قرارات سابقة لترامب تضمنت تأجيلات بهدف التشاور مع الحلفاء �
- استخدام التأجيل كتكتيك تفاوضي وليس تراجعًا كاملاً على اعتبار ان ترامب لم يُلغِ الضربة، بل
أجّلها بشكل مشروط وربطها بنتائج المفاوضات وهذا أسلوب معروف:
“العصا مرفوعة لكن لم تُستخدم بعد”
النتائج:
ان الدوافع الحقيقية ليست سببًا واحدًا، بل مزيج من الاسباب منها دبلوماسية تكتيكية لفتح باب التفاوض
وردع متبادل وخوف من رد إيراني واسع ، يضاف الى حسابات اقتصادية عالمية قد يترتب عليها منع انفجار حرب إقليمية شاملة
هل تتحكم امريكا باسعار النفط أم السوق أكبر من ذلك
الحقيقة ان الولايات المتحدة تؤثر بقوة على أسعار النفط ، لكنها لا تتحكم بها بشكل كامل لان سوق النفط عالمي ومعقد، ويعتمد على العرض والطلب قرارات أوبك وأوبك اضافة الى التوترات الجيوسياسية المضاربات في الأسواق وكذلك المواقف السياسية كونها تتفاعل بشكل مباشر في سوق النفط من قبل المستثمرين مع العرض ان امريكا تفضل ان يكون سعر النفط بين ( 60 – 80 ) دولاراً للبرميل ، كون ارتفاعه كثيراً يؤدي الى التضخم الاقتصادي ، الامر الذي ينعكس على ارتفاع اسعار البنزين وارتفاع كلفة النقل والسلع ما يزيد الضغط على المواطن الامريكي ما ينعكس ايجابيا على روسيا وايران وسلبيا على ادارة الرئيس ترامب
مايعني ان الدول التي تتحكم بسوف النفط العالمي موزعة بين “اوبك” خاصة المملكة العربية السعودية ومن ثم الولايات المتحدة الامريكية وروسيا يضاف الى ذلك الاسواق المالية للمضاربين ويجب ان لاننسى التصريحات العسكرية التي تؤثر فوراً على الاسعار فقط لكنها لاتحدد اسعاره .
الخلاصة ان تصريح الرئيس ترامب الاخير يمكن تحليله بانه ليس قرار عسكرياً ، بل رسالة اقتصادية للسوق لتهدئة اسعاره دون خسارة وكذلك ورقة ضغط على ايران



























