بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكثيف القصف وتوجيه ضربات عسكرية حاسمة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي لعدة أسباب رئيسية، تشمل الضغط الدبلوماسي لإجبار طهران على قبول شروط واشنطن وتفادي التأثيرات السياسية السلبية لارتفاع أسعار الطاقة على حزبه قبل الانتخابات، بالإضافة إلى منح القوات الأمريكية وقتاً كافياً لإعادة ملء مخزوناتها من الذخائر المستنزفة.
وتتوزع الدوافع وراء استراتيجية التهديد والتأجيل العسكري لما بعد الانتخابات على النحو التالي:
- الدبلوماسية القسرية الصارمة: يسعى ترامب إلى استخدام التهديد بـ”الإبادة” أو استئناف الحرب الشاملة كأداة ضغط قصوى لدفع طهران نحو الاستسلام لمتطلباته وبحسب تصريحاته لوسائل الإعلام، فإنه يرفض المقترحات الإيرانية الحالية لوقف إطلاق النار المؤقت، ويصر على اتفاق جديد كلياً يضمن التفكيك الكامل للبرنامج النووي والتزاماً دائماً بحرية الملاحة.
- الحسابات الانتخابية وأسعار الوقود: يرى الرئيس الأمريكي أن القيادة الإيرانية تحاول إطالة أمد المواجهة حتى موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، على أمل أن تؤدي الأزمة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود العالمية إلى إلحاق ضرر سياسي بحزبه الجمهوري ، لذا تقتضي حساباته إبقاء خيار التصعيد الكبير معلقاً إلى ما بعد انتهاء التصويت لتجنب أي ارتدادات اقتصادية تؤثر على الناخب الأمريكي.
- استكمال الجاهزية اللوجستية: أشار ترامب علناً في مقابلات صحفية الى وجود نقص طفيف في بعض مخزونات الذخائر الاستراتيجية الأمريكية نتيجة أشهر الحرب الماضية. وأوضح أن المجمع الصناعي الدفاعي للولايات المتحدة يستغل الوقت الحالي لتسريع وتيرة إنتاج وبناء صواريخ “باتريوت” و”ثاد”، مما يجعل فترة ما بعد الانتخابات التوقيت الأنسب عسكرياً لشن حملات قصف واسعة إذا ما تعثرت المفاوضات.
من يراهن على الوقت
كلا الطرفين “أمريكا وإيران” يراهنان على الوقت ويظنان أن مروره يصب في مصلحتهما، غير أن كلاً منهما يملك أسباباً ومنطلقات مختلفة تماماً لإدارة هذا الصراع الاستنزافي الطويل.
- لماذا تراهن أمريكا على الوقت؟
تعتمد إدارة دونالد ترامب على كسب الوقت لإنضاج ظروف مواتية تضمن لها تحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات رئيسية، استناداً إلى الحسابات التالية:
- نجاح الحصار الاقتصادي والبحري: تراهن واشنطن على أن الحصار البحري المشدد المفروض في مضيق هرمز والذي نجح في منع إيران من شحن نفطها منذ يوليو، سيؤدي في النهاية إلى تعميق الانهيار الاقتصادي الداخلي لطهران.
- تجاوز الاختبار السياسي الداخلي: يرى ترامب أن إيران لن تستطيع الصمود طويلاً وأن الحرب ستنتهي مباشرة بعد انتخابات نوفمبر النصفية؛ لذا يسعى لتجميد التصعيد العسكري الكبير حالياً لمنع قفزات أسعار الطاقة العالمية التي قد تضر بحزبه انتخابياً.
- استنزاف الترسانة الإيرانية: تؤمن الإدارة الأمريكية أن الضربات الجوية المستمرة على الأنظمة الدفاعية ومواقع الصواريخ والبنية التحتية الساحلية الإيرانية تُضعف القدرات العسكرية لطهران تدريجياً مع مرور الأيام.
- لماذا تراهن إيران على الوقت؟
في المقابل، يرى القادة العسكريون والسياسيون في طهران (بما في ذلك الحرس الثوري) أن “النفس الطويل” وحرب الاستنزاف هما السلاح الأقوى لمواجهة القوة العظمى، بناءً على الآتي:
- تكتيك الاستنزاف الإقليمي: تراهن إيران على قدرتها العسكرية والاقتصادية على الصمود لشهور طويلة، ومواصلة توجيه ضربات للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وتعطيل التجارة الدولية عبر الممرات المائية لإجهاد واشنطن وإجبارها على التراجع.
- لضغط بورقة الانتخابات والأوراق النووية: تأمل طهران أن يساهم عامل الوقت والجمود الراهن في زيادة الضغوط السياسية على إدارة ترامب مع اقتراب الانتخابات. كما تخشى أن التنازل عن أوراق قوتها حالياً (سواء ترسانتها الصاروخية أو نفوذها البحري) سيجعلها مكشوفة تماماً أمام أي ضغوط أمريكية مستقبلية.
النتائج والتوقعات
نعتقد أن عامل الوقت قد يتحول إلى “العدو الأول للجميع” بسبب الخسائر الفادحة للطرفين، إلا أن غياب الثقة المتبادلة يجعل كلاً من واشنطن وطهران متمسكين بمواصلة القتال لاعتقاد كل طرف أن تقديم تنازلات مبكرة يمثل مخاطرة وجودية أكبر من تحمل كلفة الانتظار والاستنزاف.
ويتأرجح مستقبل الصراع بين ثلاثة مسارات أساسية بحسب تقديرات مراكز الأبحاث ومسؤولين مطلعين:
- حسم عسكري أمريكي: قد يستغل الرئيس ترامب لانتهاء انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر موعداً لشن حملة قصف واسعة النطاق دون الخوف من تقلبات أسعار النفط ، لإجبار النظام الإيراني على الانهيار أو تقديم تنازلات تاريخية كبرى.
- حرب استنزاف طويلة وممتدة: تحذيرات الأوساط الدفاعية في واشنطن من تحول الصراع إلى مستنقع مكلف عسكرياً واقتصادياً قد يستمر لنصف عام آخر على الأقل واستنزاف طويل للذخائر الأمريكية والاستقرار الإقليمي دون فائز واضح.
- صفقة تسوية اللحظة الأخيرة: اضطرار إيران لدراسة المقترحات الأمريكية بشكل جدي بعد اشتداد وطأة الحصار وتصفير المخزونات خارج الحدود لصياغة اتفاق نووي وأمني جديد ومعدل مقابل رفع الحصار وفتح مضيق هرمز.
|
|



























