بقلم: الدكتورة سهام الخفش
بعدما استمعت إلى خطاب نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي في 24 يوليو، وعاينت التصفيق الحار المبالغ فيه الذي رافق كل لحظة من الخطاب، بدا لي جلياً أن الخطاب كان مليئاً بالكذب والخداع والتضليل والمبالغة. تساءلت: لماذا نُعلي من قيمة الصدق بينما نفتقدها بين السياسيين؟ هل أصبحت الصفة الأساسية التي تميزهم بلا استثناء؟ وإذا كان الحاضر مليئاً بالكذب، كيف لنا أن نثق في الماضي والتاريخ؟
في عالم السياسة، يعتبر الكذب سلوكاً مثيراً للجدل ومعقداً. هل رجال الدين يحرّمون الكذب بوضوح، أم أنهم يتغاضون عنه حين يتعلق الأمر بالسلطة والسياسة؟ لا يكاد نجد رجل دين يتحدث بصراحة ضد الكذب الذي يمارسه الساسة. هل هو محرم علينا ومحلل لهم؟ بالطبع، الكذب أحياناً يُستخدم كوسيلة للحفاظ على السلطة والمواقع، وتعظيم الإنجازات، وتجنب الاعتراف بالفشل والهزيمة.
كيف يمكن للمستمع أن يتحمل مشاهدة ساعات طويلة من التحليلات والتقارير عبر التلفاز، وهو غارق في دوامة الكذب وغياب الحقيقة؟
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه بعد أن أتيحت لي الفرصة لحضور المؤتمر الذي أقامته وزارة الثقافة بالتعاون مع الجمعية الأردنية الفلسفية ضمن فعاليات مهرجان جرش في المركز الثقافي الملكي هو: هل يمكن للفلاسفة تقديم تفسير للكذب السياسي؟ مما أثار فضولي للبحث عن ذلك، ووجدت عدداً من التفسيرات، منها على سبيل المثال لا الحصر:
ماكيافيلي، والذي يعتبر من أبرز الفلاسفة الذين ناقشوا مسألة الكذب في السياسة، يبرر استخدام الخداع والكذب من قبل الحكام كوسيلة لتحقيق الاستقرار والسيطرة. يرى أن الغايات النبيلة قد تبرر الوسائل غير الأخلاقية، مشيراً إلى أن السياسيين قد يحتاجون إلى استخدام الكذب لتحقيق المصلحة العامة.
أما إذا تم بحث الكذب من منظور أخلاقي، فهناك رأي آخر حيث يرى كانط أن الكذب غير مقبول أخلاقياً تحت أي ظرف كان. بالنسبة له، يتعارض الكذب مع قاعدة الأخلاق المطلقة، حيث يعتبر أن الكذب يتناقض مع احترام الإنسان كغاية في ذاته، ويجب تصنيف الكذب كعمل غير أخلاقي مهما كانت الظروف.
من جهة أخرى، ترى الفلسفة البراغماتية والنفعية، كما عبر عنها ويليام جيمس، أن الكذب قد يُؤيد إذا كان يساهم في تحقيق نتائج ملموسة وناجحة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الكذب كأداة يمكن استخدامها إذا كانت الفوائد تفوق الأضرار.
وفي نهاية الأمر، يبدو أن الأيديولوجيا تلعب دوراً كبيراً في تفسير الكذب السياسي. يُنظر إلى الكذب كوسيلة لدعم الأيديولوجيات السياسية. قد يرى السياسيون الكذب كأداة لتحقيق أهدافهم السياسية.
ونحن على أعتاب استحقاق ديمقراطي في 10 أيلول، فإياكم والكذب في الديمقراطيات السياسية، فهما لا يلتقيان في الأصل. لأن الكذب يُعتبر تحدياً كبيراً يعكر صفو العملية الديمقراطية ويقوض الثقة بين المواطنين والحكومة. الكذب، سواء من قبل المسؤولين أو السياسيين، يؤدي إلى تآكل الثقة، وتشويه الحقائق، وتقويض النزاهة.
لذلك، من الضروري في الديمقراطيات السياسية تعزيز الشفافية والمساءلة، ومحاربة الكذب، وتعليم المواطنين كيفية التحقق من المعلومات ومحاسبة القادة على أفعالهم. والله وليّ التوفيق.


























