” لبنان بحاجة الى نخب عضوية وحقيقية تطرح معركة العلمانية بأبوابها الواسعة، لأنه لا حل سوى بالعلمانية”.
بقلم: أورنيلا سكر
” لبنان بحاجة الى نخب عضوية وحقيقية تطرح معركة العلمانية بأبوابها الواسعة، لأنه لا حل سوى بالعلمانية”.
كثيرون هم من يراهنون على الموازين القوى والمتغيرات الدولية، لكن ليس كافيا بأن يحدث زلزالا ًفي الواقع اللبناني من أجل الافضل لان ما يحتاجه لبنان هو تغيير حقيقي لموروثه الثقافي القائم على الارهانات والتسويات والتوافقية السياسية التي اوصلت لبنان الى هذا الافلاس والانتحار الجماعي والافقار على كافة المقايس الاجتماعية والسياسية والانسانية والديبلوماسية والدينية. أنا لا أقول هنا في هذا السياق، أن ما يجري كونيا اليوم ليس مهما بل احاول توضيح مسألة في بالغ الاهمية هي أن الجميع منكفئ بل مشغول بهمومه ولا أحد متفرغ لنجدة لبنان في ازمته اليوم . وهنا مسؤولية كبيرة على الشعب اللبناني أن يتوحد حول مصلحة لبنان،و إصلاح ما يمكن اصلاحه بالتي هي أحسن . فقد اثبتت الانتخابات عن قوة ورغبة الشعب اللبناني بالتغيير بمعزل عن الادوات والنتائح والانتقادات وان هناك مناخ عام في البلاد محرج امام اي انسداد اخر محتمل . لذلك نستطيع ان نقول ان لبنان قد دخل مرحلة التغييرات الكبرى وهذا لا ينطبق عليه فقط بل على العالم ككل الذي يتخبط في النزاعات والحروب والمجاعة والفقر والبطالة والهجرة وتجارة البشر.
نحن نعيش مرحلة جديدة غير مسبوقة اشبه بالبربرية والتوحش بفعل عدة اعبارات مرتبطة بالحداثة وما بعد الحداثة لذلك من واجب كل مثقف لبناني ان يعيد ترتيب ثوابته وافكاره من اجل مواكبة المستجدات العالمية وانعكاسها على الاقليم وتحديدا لبنان ذلك البلد الذي لا سبيل للنجاة فيه سوى بتغيير الموروث الثقافي والادبيات التقليدية نحو استرايجيات القوة والممكنات التي تراعي ظروفه وظروف المتغييرات . ففي زمن التحولات التقنية والامنية والثقافية والمعلوماتية، اصبح هناك نوعية تفكير غير مسبوقة لا يمكن التعاطي معها بافكار تقليدية وعاداة قبلية ومبادئ قاصرة عن اي مفهوم عميق يلامس المتغييرات الجديدة وهو ما مصير الانسان اليوم ؟ واي نظام يصلح ليكون في القرن ال21، وهل للدين دور في هذه المرحلة القادمة ؟
أنا اعلم ان هذه الاسئلة هي جدا مشروعة لكن لا يوجد تفسير واضح لها حتى الساعة لان العلم اليوم اصبح في حالة الارباك حتى انه اساسا وقع في عدمية الشك والارباك منذ أن اخذ على عاتقه مبدأ المطلقية في مقاربة الامور. فحين نتحدث عن العلمانية لم نكن نقصد عزل الدين وتجريده من مفهومه بل كان الهدف منه وضعه في المكان الصحيح لان العالم اليوم يعيش حالة اغتراب وانعزالية على كافة المستويات والانحلال والفردانية التي اوصلت البشرية، هذا النوع البشري الى مزيد من التوحش والسلعنة بدافع السوقنة والرأسمالية حيث فقدت البشرية المعيار والاخلاق والذوق وانسانيتها نحو شئ اشبه بالوثنية المادية . فلا عجب ان يأتون لهدم الاوثان ، فيصنعون أقوى الصنم لان الانسان بطبيعته مفطور على العنف والكراهية فكيف للدين أن لا يكون له دور ومكانة متقدمة من أجل انسنة الانسانية ؟
فالعقل في الغرب لم يعالج المسألة الدينية بل كان ردة فعل على الرؤية اللاهوتية والميراث التولوجي من خلال الكشوف العلمية التي كان الهدف منها نهب ثروات العالم واحتلاله وتأبيد السيطرة على كما هو الحال في افريقيا والهند والشرق وغيرها ،كما ان التنوير لم يحدث اساسا وانا اتساءل ، هل ما نعيشه اليوم في الغرب والشرق هو تنوير ؟ بالطبع لا فما حدث ويحدث هو محاولة نقل سلطة اللامتناهي من حامل الهي الى حامل انساني صرف ، حيث اتخذت من النظام الانساني وسيلة للتأسيس للعقلنة كأنه الحق الخالد. وقد تلازم توحش العقلانية وفقا لتوحش المادية وصولا الى تحقيق الهوية الفردية. وبالتالي ، انتقل الانسان الغربي هنا من الحلم الانساني الى التدمير الذاتي والاغتراب فضلا عن التشيئ والانانية وغرور المعرفة والتفاهة وتوظيف القيمة وفقا لمجتمع اكراهي انضباطي حسب ميشال فوكو ( 1926-1984).
كما اصبح الانسان يعيش صناعة النماذج المكررة والعدمية والعبثية عبر فقدان المعنى والمركز وهيمنة القوة على رؤية الاستعمار ، وهيمنة السلعة على القيمة، وهيمنة الكماليات والرفاهية على الانتاج والاستهلاك، وهيمنة الصورة على الواقع المزيف عبر نشر معلومات مضلة ومفبركة. فقد تحول العلم الى ايديولوجيا واداة للهيمنة والقمع والحتمية التي تنفي الحقيقة السيولة التي تضفي النسبية على الاشياء والعلاقات، وانما اضفت الشك الذي يقوض المركز الثابت وكل اليقينيات، فأنظروا كيف كانت عاقبة المفسدين.
إن العلمانية لا تعني فصل الدين عن الدولة كما يتشدق بعض النخب المزيفة وفقا لرؤيتهم الضيقة التي حجبت الفهم الصحيح للعلمانية وأخرجتها من جوهرها الذي تأسست به وانبنى عليه اهم مرتكزاتها خصوصا أولئك الذي يقرنون ظهور العلمانية بأفول الدين أي المسيحية تحديداً وان العلمانية جاءت لتجهز على الدين وتعلن موته، بسبب تنامي الإلحاد في الغرب ، فهذا الكلام ليس صحيحاً. فقد عبر ايمانويل كانط ( 1724-1804)، في كتابه: ” الدين في حدود مجرد العقل”،أن الاخلاق لا علاقة لها بالدين بل هي تخضع لقواعد العقل العلمي، فنجد أن العلمانية هي التزام بعمل حرفي للخير وبالمفهوم المسيحية التقليدية بعيدا عن المفهوم الكنسي.
وبالختام ، أنا أجد ان البشرية تأتي كردة فعل على اثار الاشياء والمفاهيم وليس حلا” للمشاكل والازمات لذلك ، فإن المطلوب هو معالجة الموضوع بحد ذاته أي، الدين كدين وليس سلوك الكنيسة لانه جزئية متفرعة ومنفصلة عن الدين كدين . وانا اجد ان مشكلة العالم العربي –الاسلامي يعيش ارثا” تاريخيا” ودينيا” من الصعب ان ينفصل عنه بفعل الهزائم السياسية المتتالية والضعف الذي لحق به على كافة المستويات. إن موت الاله هو شيئ ما بعد المسيح اكثر منه شيئ ما ضد المسيح بالنسبة الى الخطاب اللاهوتي. إن السؤال حول تحديد مستقبل الدين بعد تفكيك الانطولوجيا الغربية يتطلب فهم موضوعي للدين وليس استبعاده وتهميشه كما حصل في الغرب المسيحي، من خلال تقديم ثقافة لنوع جديد المتمثل في تحديد المنظومة الاخلاقية من دون اي ايمان بشيئ يتجاوز كينونتنا في العالم بمعنى آخر، أن الاخلاق ليس مبدأ متصل بالدين كدين ولا يعني ذلك ان الاخلاق تقتصر فقط على الانسان المتدين بل أن الاخلاق يمكن ان تكون ضمن ثقافات عديدة بعيدا” عن ما هو مقدس.
كما أنني أنا شخصياً اشدد على مبدأ التركيز على المفاهيم ومدلولاتها وابعادها بحد ذلتها دون الاحتكام الى استنساخ ثقافات نشأت في ظروف ومحددات وعناصر مختلفة عبرت وادت الى اتفاقية هدنة عرفت بويستفاليا 1648 التي كان هدفها تطوير العقد الاجتماعي من أجل الانتقال من مرحلة السلطة المطلقة الى مرحلة الحداثة التي ترافقت مع ظروف نهضوية عديدة اهمها، فمثلا لم يكن الربا مسموحا” به في المسيحية غير أن بدافع التحولات الكبرى التي فرضتها الرأسمالية من حيث التعاملات الائتمانية جعل من الربا موضع تبرير سمح للتجار التعامل بالربا وايجاد مخرج لاهوتي لتبرير هذه الخطيئة الكبرى باعتبارها خطيئة صغرى وتراجع دور الكنيسة لان الانسان اصبح هو المنتج وسيد القرار وغير خاضع لاملاءات الكنيسة . ويأتي هذا التطور في الذهنيات نتيجة التراكمات المرتبطة بالاصلاح الديني الذي كان التبرير هو المدخل من اجل عدم تكبد خسائر مالية لان النظام الرأسمالي الذي نشأ انذاك فرض منظومة تعاملات وإن لم يتماشى المتدين معها سوف يخسر زمانه وماله. من هنا ، استطاع البروتستانت عبر مارتن لوثر ايجاد مخرج وهو المطهر ، وهو ذلك المكان الذي يتوب المذنب فيه من أجل دخول الجنة.
من هنا نفهم أن تبدل العقليات مترافقة مع مجموعة من الاحداث والتراكمات والدوافع والخلفيات ويبدو أن العالم العربي لم يستطع الاستفاد من اي متغيرات والعمل على تغيير الذهنيات ليس لانه لا يمتلك الامكانية بل لان الظروف لم تتقاطع لمصلحة التغيير بل لمزيد من الانسدادات والافول والتشدد في الذهنيات لانه ليس من مصلحة رجال الدين التحالف في الشرق مع الرأسمالية من أجل تطوير الانسان بل يعملون على عكس من ذلك، اي تشديد الحصار الديني وادلجة العقائد القائمة على اسس باطلة ومزيفة تتناقض مع جوهر النص الديني ورسالته الانسانية والسامحة والوحدة والحضارة.



























