بقلم: اسماعيل الرجب
الآن، وبعدما تآكلت جدران عمري، لم يعد صوتُ الجدّة المبحوح قادراً على كبح ارتجافي. الرعشةُ ذاتها، لكن مصدرها تغيّر جذريًا. لم تعد تأتي من خيالٍ طفوليّ يغزوه ريشٌ وأجنحةٌ سوداء تتوق إلى سماءٍ موحشة، بل من برودة خبرٍ رُكن في زاوية الشاشة المضيئة: “شبكة منظمة لـلمتاجرة بالأعضاء البشرية تستهدف الأحياء الفقيرة والمناطق النائية.”
“سحّال أبو طُبُك.”
همستُ بالاسم فصار كشفرةٍ تُفتح في قبوٍ مهجور من الذاكرة. يا إلهي، كيف لاسمٍ نُسجَ من تراب الخرافات أن يُصبح عنواناً للواقع، وكيف يمكن للواقع أن يرتدي قناعاً أسطورياً بهذا القدر من العبث؟
أتذكرُ الطبق. لم يكن مجرد صينية؛ كان دائرةً مصنوعة من ليف النخيل المبروم، مغطاة بطبقة من القار الأسود، قطعة أثرية من الموت الزائف. كان السحّال يجرّها على أرض الغرفة الحجريّة، فتُصدر كشطاً حاداً، كشطاً ليس له مثيل، يُمزقُ الصمت ويُوقظُ الكوابيس. كان صوتاً خشناً، وكأنه يشحذُ حجرَ الموت على روحٍ بريئة. وفي أحلامي الطفولية، كان الطبق يمتلئ بقلوب صغيرة، لا تزال دافئة، تنبضُ بجنون من الخوف قبل أن تبرد وتتحوّل إلى أحجارٍ كريمةٍ بلون الياقوت والعقيق. الجدة كانت تقول إن شكل الدمار يتغير، لكنّه يخلّف ألما في النّفس لا يزول ، اليوم بينما أحدّقُ في العتمة، اسمع صوت الكشط مجدداً. إنه ليس صوتَ كرسيّ جُرَّ على البلاط، ولا وهم طنين في أذني. إنه صوتٌ قادمٌ من ثقبٍ قديمٍ في جدار الذكريات، ثقبٍ يتسع اليوم ليُدخل رائحةُ المِطهّر الممزوجة ببخار الدم المتخثر.
لقد علّمتني الجدة أن السحّال يبحثُ عن القلب الأطهر، القلب الذي لم يلوّثه الخوف أو الطمع بعد؛ إنه يبحث عن البراءة النادرة ليحولها إلى جواهر ، أما سحّال اليوم، ذاك الذي يرتدي قفازاتٍ بلاستيكية ويمتلكُ معرفةً تشريحية دقيقة، فهو يبحثُ عن سعر القلب، عن كفاءته الخالية من الأمراض، عن قدرته على البقاء في جسد آخر ، والرابط المشترك بين الخرافة والواقع هو سرقة البراءة تلك العملة النادرة.
أنهضُ من سريري كالممسوس، أتبعُ نداء الكشط الذي صار الآن أقرب وأكثر وضوحاً، وكأن الطبق نفسه ينتقل عبر الأبعاد ليصبح طبقا آليا معاصراً ، أُقترب من النافذة التي تطلُّ على شارعٍ الخلفيّ، وأنا أعرفُ بحدسٍ طفلٍ مرعوبٍ عمره خمسون عاماً، أن الطبق سيمرُّ من هناك الآن ، لم يكن الطبق بأجنحة تطير؛ بل كانت حاويةٌ بيضاء تلمعُ ببريقٍ مُقلق تحت ضوء عمودٍ مائل. أرى ظلاً طويلاً، نحيلاً، يمرُّ سريعاً ، حركة كيان يخشى أن ينكشف وفي يده صينية الجدّة المغطاة بالأسفلت الأسود، الطبقُ ذاتهِ، أكياس بلاستيكية موضوعة بعنايةٍ شديدة تقطر دما ، يحملها وكأنّها تحوي كنوزاً ثمينة. وبينما يمرّ اسفل النافذة ، أرى القلوب تهتزّ ” لم ينقطع نبضها بعد، لم يصدر صوت الكشط من جرّ الطبق على الأرض، بل مرّ متسللا كما هو حال اللصوص ، كانت أصابعه مغطاة بقفازات بيضاء، أدركتُ حينها أن سحّال أبي طبُك لم يمت بل تحوّل إلى تاجر أعضاء بشرية يرتدي بدلة بيضاء ، وجد في تجارة الأعضاء ظالّته ، لم أرتجف خوفاً من سحّالٍ خرافيّ قبل خمسين عاماً، بل أشعر بالغضب منه الآن وهو يتجسّد .



























