تحت المجر
بقلم: موفق الخطاب
مع الذكرى الحزينة و اليوم الأسود لإحتلال العراق و بعد الانسداد السياسي والتدهور الاقتصادي والفساد المستشري والتمزق والفكك المجتمعي والأسري الذي اوصلته الطبقة السياسية بكل تشكيلاتها وشخوصها في العراق ما بعد الاحتلال الغاشم حيث فشلت جميع الحكومات المتعاقبة من بناء عراق ديمقراطي مدني يلبي طموحات الشعب بالخلاص من الحكم الديكتاتوري والحزب الواحد وإقامة دولة مدنية ودولة مواطنة ،بل قد حدث النقيض من ذلك تماما بترسيخ الحكم الديني محاكاة لنظام الولي الفقيه وتنامي الطائفية والإثنية والعنصرية والمحاصصة في تناول الحكم وتقاسم السلطة بين الكتل والأحزاب وابعاد وتهميش النخب والكفاءآت عن طريق إقامة انتخابات صورية زائفة تعمل على تدوير نفس الوجوه منذ عقدين من الزمان ، مع ما واكبها من استشراء الفساد والخراب والإرهاب وتفشي العنف والمخدرات وتخلف العراق عن ركب العالم .
و يعترف نفس الساسة وفي اكثر من مناسبة بفشلهم الذريع في حكم بلد عريق مثل العراق وقد بان عجزهم تماما في الخروج من هذا المأزق ، وهم بالتأكيد لم و لن يكونوا مؤهلين لأي مشروع اصلاحي مهما حاولوا أو غيروا من عناوينهم وتحالفاتهم.
لذا اصبح اليوم واجب شرعي واخلاقي يقع على عاتق الشرفاء من أبناء العراق بتولي زمام المبادرة وعدم البقاء متفرجين مرعوبين من إرهاب السلطة ، فلم يعد هنالك في القوس منزع.
و سوف نتطرق اليوم لأهم الخطوط العريضة في رسم خارطة طريق لمن ظل الطريق و التي من الممكن أن تؤسس لولادة مشروع يساهم في إنقاذ العراق من محنته :
أولا : يستحسن لمن يريد أن يتبنى أي مشروع إصلاحي ليكون طرفا فاعلا فيه أن يُعدُّ مسبقا مشروعا متكاملا واضح فيه معالم الطريق ويطرح على الخاصة لإنضاجه ثم على العامة للتصويت عليه والإستماع الى وجهات نظرهم بعد أن وصل الحال من التمزق والضياع مبلغه في وسط غياب أي مشروع معتدل جامع وقد طال انبثاقه، بالرغم من كثرة وتفريخ الجمعيات والهيئات والأحزاب الدينية والعلمانية ومن تدعي القومية والوطنية والفصائل الجهادية، والتي لم تزد كثرتها إلا ضياعاً وبؤساً وتشريدا.
فكان لا بد على العقلاء اليوم الاستفادة من جميع الاخفاقات و الابتعاد عن الآنا والتي كانت سببا رئيسيا لفشلها ، وأن يتناسوا خلافاتهم ويسارعوا لوضع خططهم وتصورهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، عله بتوحيد واجتماع كلمتهم يؤسسون لمشروع يمكن أن يكون مرتكزاً ومنهجاً ولو مرحلياً لوقف النزيف والتردي والتشرذم ، وربما إن إستمر الحال على ما هو عليه فهم أمام فقدان التأريخ والهوية بعد فقدانهم الأرض والقضية .
ثانيا : يجب ان يتقدم الصفوف ويقود المرحلة شخصية مرموقة مشهود لها بالرصانة والوطنية وتتوفر فيه شروط القيادة مرحليا ، لكن ليس من الحكمة بمكان أن يتم الإبقاء عليه و تمجيده للوصول به الى حالة الديكتاتورية وجنون العظمة و التي كانت سببا لكل بلاء (بدءاً من الزعيم الأوحد وحتى وصولا الى ما ننطيها ومنو يگدر ياخذها من عدنه بعد اليوم و مسرحيات أخو عماد ، والله لا يوفقني ،وباقي النماذج التي اعطت انطباعا وصورة مشوهة للقيادات الهزيلة!)
وان لا يترك الأمر لشخص أو حزب او تجمع ليتفردوا لاحقا بالسلطة ،وكأنك يابو زيد ما غزيت ، والاستفادة من مقولة ديغول الشهيرة لنائبه تراجع عني خطوة .
ثالثا: يجب استثمار الحراك الشعبي الذي انبثقت منه الانتفاضة التشرينية المباركة والانتفاضات والاحتجاجات السلمية التي تنفجر بين الحين والآخر بوجه العملية السياسية وفساد طاقمها الذي جابه الثائرون بالترويع والقتل والقمع وتكميم الافواه ، فيستوجب تنظيمهم من جديد و رعايتهم والتأكيد على التمسك بالسلمية فقد اصبحوا اليوم رمزا و مرتكزا لأي تغيير منشود وذلك بدعمهم وتبني مطالبهم ،و هو فرض عين يتحمله الجميع وهو يمثلون اليوم قاعدة شعبية عريضة وشرعية لأي مشروع اصلاح .
رابعا: يجب أن يتناول المشروع الإصلاحي كل مشكلة طغت بعد الاحتلالين الأمريكي والإيراني ودراسته دراسة مستفيضة من جميع جوانبه الشرعية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية وحتى النفسية منها، والاسترشاد بوجهات نظر التكنوقراط وقادة الميدان ورجالات الاعلام من ذوي الخبرة والكفاءة في مجال تخصصهم في كيفية معالجتها ومحو آثارها السلبية .
خامسا : وبعد نضوج هذا العمل لابد من حتمية عقد مؤتمر شعبي كبير ليُشهر ويعلن هذا التجمع الوطني عن برنامجه و تدعى له شخصيات عربية و عالمية وممثلين عن المنظمات و الامم المتحدة والقامات العراقية ممن لم تتطلخ ايديهم بالدماء وتمتليئ جيوبهم بالفساد ،والحذر كل الحذر من إقامته خارج حدود العراق حتى لا يجير ويتهم بشتى الاتهامات الجاهزة لينفض عنه الجمع ويولون الدبر.
سادسا : يجب أن يتفهم الفريق العامل الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بالعراق والمنطقة وتقلباتها وقطار التغيير المسرع الذي يجتاح المنطقة ، وأن لا تتقاطع اهدافهم مع الحراك العالمي بل يجب إيصال رسالة واضحة للجميع أن هذا المشروع هو إصلاحي لبناء عراق ديمقراطي وقلع الفساد من جذوره وبسط الأمن وحل المليشيات والقضاء على السلاح المنفلت والحفاظ على سيادة و وحدة العراق والتوازن في العلاقات الدولية، وهو خطوة مرحلية لحين استتباب الأمن والذهاب بعدها الى إجراء انتخابات مدنية عادلة و نزيهة وانه لا يستهدف اي مكون او قومية او طائفة بل يستهدف انتشال العراق والعراقيين من من ورطتهم .
سابعا: ليبتعد من يريد أن يتبنى أي مشروع إصلاحي عن المغالاة في أطروحاتهم و وضع الشروط التعجيزية التي قد تقصم ظهره، بل إن شعرت القوى المسيطرة على العراق (امريكا والعم سام ) بمشروع يتقاطع مع ما تم رسمه من سياسات توافقية بينهم فلن يكتب له الولادة والنجاح فالرحلة والمرحلة شاقة وليست بالهينة .
ثامنا: يجب العمل على اختيار محاورين حذقين في فن التفاوض ليأخذوا مقاعدهم في دول القرار والهيئآت الدولية فهو الطريق الأقصر للنجاح و القبول. كما يجب اولا اقناع الشارع العراقي ثم باقي دول المنطقة أن هذا المشروع الاصلاحي لا يختص بطائفة ولا قومية دون غيرها ولا يمثل تحدياً لأحد فهو لجميع العراقيين ، وهو لا ينفذ أي أجندة أو توجه خارجي أو يعيد تدوير اي حزب او اي قيادات اثبتت فشلها أويروج لفكر متطرف بل هو تجمع وطني يمثل جميع اطياف الشعب العراقي الذي تضرر من ارهاب وفساد السلطة .
وأخيراً يجب عليهم أن يبتعدوا كلياً عن أي ركون أو أي دعم مادي من خارج الحدود ، حتى لا يجير لجهة ما ،مما سيفقد المشروع وطنيته و مصداقيته وقوته وتأثيره وقاعدته الشعبية.

























