بقلم: ذكرى البياتي
عاد المطر، وعاد معه الحنين ينهش ما تبقّى من ذكريات مضت؛ تارةً يراقص شرفتي بحباته المتساقطة، وتارةً يراقص أشواقي على رائحة قهوتي ودفء كتابي.
أوقفتُ خطواتي وأفكاري قليلًا، كأنني أبحث عن استراحة من تعب السنين، وجلستُ مع ذكراك، أرتشف فنجان قهوتي وأستمع إلى أغنية وردة: «أحبك فوق ما تتصور»، فأشعر أن بعض الأغاني لا تُسمع فحسب، بل تعيد إلينا أشخاصًا وأزمنةً ظننا أننا تجاوزناها.
الطريق في حياتي أصبح معتمًا من دونك، ومع ذلك ما زلت أبحث عن الضوء، ولو كان خافتًا، بين زوايا العمر؛ لعلني أعثر على طريقٍ يقودني إلى الفرح من جديد.
فقرارات القدر التي صنعتني، والانعطافات التي غيّرت مسار حياتي، والأبواب التي أُغلقت في وجهي، كلّها محَت أحلامًا انتظرتها طويلًا، حتى نضجت تلك الأحلام على نار الخيبات. ومع ذلك، بقيت أمانيّ معلقة في مكان ما من روحي، لم أفرّط بها رغم كل الخذلان.
أنا تلك العيون التي رأت أكثر مما ينبغي، والقلب الذي شعر أكثر مما يحتمل، والروح التي تعلّمت أن تخفي تعبها خلف ابتسامة هادئة. لكنني، رغم كل شيء، لم أفقد شغفي بالحياة، ولم أنطفئ. ولم أسمح للألم أن يقتلع ذكراك من داخلي؛ فبعض الذكريات لا نحتفظ بها لأننا عاجزون عن النسيان، بل لأنها أصبحت جزءًا من حكايتنا، ومن المرأة التي صرنا إليها.
فأنا الطفلة التي كبرت بأحلامها، وبقي في داخلها شيء من ضحكاتها القديمة، تحب اللعب والفرح واللحظات الهادئة، لكنها تعلّمت أيضًا أن تحمل مسؤولياتها بجدية، وأن تصنع لنفسها أملًا، ثم تمضي خلفه بشغف، حتى وإن كان الطريق طويلًا.
ما زالت تفاصيل الجمال الصغيرة تُفرحني؛ فنجان قهوتي ذات الأصل اليمني، الذي ألهمني كثيرًا من الأفكار، وكتاب قديم أفتحه بين حين وآخر، فأجد بين صفحاته عالمًا كاملًا يشبهني، وأجد في الصمت الذي يحيط بي لحظةً أستطيع فيها أن أبتعد عن ضجيج الحياة.
ولعل أجمل ما تعلّمته أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تترك لنا دائمًا نافذةً صغيرة نحو الأمل. وقد يكون المطر الذي نظنه حزنًا، هو في الحقيقة غَسلٌ هادئ لما أثقل أرواحنا، وقد تكون الذكرى التي تؤلمنا أحيانًا، هي ذاتها التي تذكّرنا أننا عشنا يومًا بكل ذلك الحب.
لذلك، حين يعود المطر، سأتركه يطرق شرفتي كما يشاء، وسأدع الحنين يعبر دون أن أخاف منه. سأشعل فنجان قهوتي ــ كما أحب أن أقول ــ وأفتح كتابي، وأصغي إلى الأغنية التي تحمل شيئًا منك.
ثم أبتسم…
ليس لأن الطريق أصبح واضحًا، ولا لأن الغياب انتهى، بل لأنني ما زلت هنا؛ أحمل ما مضى دون أن أعيش فيه، وأحفظ الذكرى دون أن أسمح لها أن توقفني، وأؤمن أن الله، بعد كل هذه الانعطافات، ما زال يخفي في الطريق شيئًا جميلًا لم أصل إليه بعد.
فربما لم تكن كل الخيبات نهاية الحكاية…
ربما كانت فقط الطريق الذي كان عليّ أن أعبره لأصل إلى نفسي.



























