ADVERTISEMENT
حذرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، قبل شهر تقريباً، من أن الولايات المتحدة تدفع ثمناً فادحاً لسياسة الرئيس جو بايدن “الفاشلة” تجاه السعودية، بخاصة في ظل الأزمة الأوكرانية. وقالت الصحيفة إن أخطاء الإدارة الأميركية في التعامل مع بعض دول الخليج، وعدم أخذ مصالحها الأمنية والسياسية بالحسبان، يهدد بخسارة حلفاء تقليديين من الوزن الثقيل، كالمملكة. اليوم يبدو أن أمراً ما قد تغيّر، التقارير الواردة من واشنطن تشير إلى تحولات في توجهاتها صوب الرياض، إذ يزمع بايدن زيارتها ولقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ رغبة في الإبقاء على الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين ومواربة النوافذ أمام الصين وروسيا.
وصفة جديدة
من السابق لأوانه توقع مدى نجاح زيارة الرئيس الأميركي المرتقبة نهاية الشهر الجاري أو خلال الشهر المقبل، جرت في النهر مياه كثيرة، تعكرت أحياناً، وصفت أحياناً أخرى، لكن الثابت في هذه الحالة أن المتمسك بإقامة العلاقات مع واشنطن كمن يقبض على الجمر، وأن “الزيت القديم لا يمكن تدويره في أوعية جديدة” للإيهام بتغير الأوضاع، بمعنى أن الطرف السعودي لن يقنع بالمتاح أميركياً، وقد واتته الفرصة لإعادة معايرة الموازين وضبطها؛ فلا إمكان للإبقاء على “حليف جيد للغاية” وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جيمس بيكر، إلّا بوصْفة جديدة.
الظاهر أن الرياض ترتاح أكثر إلى الإدارات الأميركية “الجمهورية” من “الديموقراطية”؛ فقد أصابت سياسات الرئيس “الديموقراطي” الأسبق باراك أوباما – كان بايدن نائباً له – بعض دول الخليج بالأرق؛ وقّع أوباما اتفاقاً مع إيران، يفتح المجال أمامها لتصبح قوة نووية في مدى زمني منظور، ثم أطلق قبل رحيله عن البيت الأبيض ما سُمّي “عقيدة أوباما”، وهي تقوم على التوجه شرقاً لمواجهة الصين، والانسحاب من الشرق الأوسط، بما فيه الخليج، في تحلل من التزامات بين الطرفين دامت منذ 1945.
وبمجيء دونالد ترامب “الجمهوري” تنفّست دول خليجية الصعداء، شكّل تخلّي ترامب عن الاتفاق النووي الإيراني حدثاً فريداً، تلقته العربية السعودية بترحاب، بيد أن الرئيس بايدن أعاد العلاقات الأميركية – السعودية إلى مربّع أوباما، أطلق تصريحات هاجم فيها المملكة خلال حملته الانتخابية، منتقداً سجلّها الحقوقي، ما كشف عن تباين في رؤى الحليفين، ثم دارت الدوائر وانسحبت واشنطن ارتجالياً من أفغانستان ورفعت جماعة الحوثي من القائمة الأميركية للإرهاب، مع أنها عزت القرار لأسباب إنسانية، كما أن الرئيس الأميركي يتوهم أن إدارته بحاجة للحد من قدرة الرياض على التدخل في السياسة الأميركية، وبلغت الأمور ذروة تأزمها عندما رفض محمد بن سلمان تلقي اتصال هاتفي من بايدن. ترافق ذلك مع تراجع متسارع في هيبة الولايات المتحدة، ثم استعرت الحرب في أوكرانيا؛ فرفض ولي العهد السعودي طلبات واشنطن رفع سقف إنتاج النفط؛ فيما تحرك نحو تعزيز علاقات بلاده مع روسيا والصين.
كما تكمن في ظلال الأزمة الأوكرانية بواعث للقلق لدى العرب، لا سيما دول الخليج، جاءت قرارات الغرب الاستيلاء على أو تجميد ممتلكات الأفراد والحكومة الروسية، لتثير خشية عرب الخليج على استثماراتهم في أميركا وأوروبا، لدى السعوديين وحدهم نحو 2.5 تريليون دولار سندات وودائع وأصول في الولايات المتحدة، قد تقع يوماً ما تحت طائلة عقوبات مماثلة لتلك المفروضة على “الدب الروسي” تحت أي ذريعة سياسية، هنا أزمة ثقة حقيقية بين الطرفين.
كلمة السّر
تتعالى حالياً أصوات في واشنطن للعودة بالعلاقات مع السعودية إلى ما كانت عليه من قوة وتفاهم، مراكز أبحاث ومؤسسات نافذة وكتّاب وسياسيون كبار أطلقوا دراسات ونداءات تمحورت حول التوعية بأهمية السعودية وأدوارها، إقليمياً ودولياً، في إطار الاستراتيجية الأميركية، وبالذات في أسواق الطاقة، بعدما كاد برميل النفط يلامس 140 دولاراً. أعد مارتن إنديك، مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون الشرق الأدني، تقريراً طالب فيه بضرورة إبرام “صفقة كبرى”، تعمل إدارة بايدن بموجبها على تحسين العلاقات مع الأمير محمد بن سلمان، واتفاقيات تسليح تتضمن سد الفجوة التي تنفذ من خلالها الصواريخ الحوثية، وتقديم تعهدات بالدفاع عن السعودية مقابل إنهاء الحرب في اليمن. وذكر موقع “أكسيوس” أن اثنين من كبار مستشاري بايدن قاما بزيارة سرية للسعودية لإجراء محادثات بشأن اتفاق محتمل لزيادة إنتاج النفط، والتمهيد لزيارة بايدن المرتقبة للرياض، ضمن جولته الشرق أوسطية، باعتبار أن تحسن العلاقات الأميركية – السعودية هو “كلمة السر” في إطفاء لهيب الحرب الأوكرانية، وأنه من دون ذلك لن يقبل الرئيس الروسي بالجلوس حول طاولة مفاوضات مع الأوكرانيين، أو مع معسكر الغرب بقيادة أميركا.
في السياسة لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة، بحسب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرتشل، تمد الرياض يدها إلى اليد الأميركية الممدودة، تقابلها في منتصف الطريق، لكنها تبدو غير قادرة على ابتلاع سياسة الديموقراطيين السائرين على نهج أوباما، بالمراهنة بأمن الحلفاء وتجاهل مخاوفهم؛ ما أدى إلى تضعضع الثقة بإدارة بايدن، ففي الوقت الذي استقبلت فيه الرياض مسؤولين من الإدارة الأميركية سراً، استقبل الأمير محمد بن سلمان، وفداً “جمهورياً” من الكونغرس، وكأنه يوجه رسالة ذات مغزى للديموقراطيين في واشنطن.
يرحب السعوديون بالعودة الأميركية إلى الحضن الخليجي أو العكس، ولو مرحلياً، لأن ذلك يلبي ضرورات أمنية واحتياجات تسليحية وإعادة فتح ملفات النووي الإيراني مع واشنطن؛ ولأن التحكم في تداعيات الأزمة الأوكرانية، بخاصة ارتفاع أسعار النفط، مفيد للسعودية ودول الخليج، لبناء احتياطيات نقدية، من أجل تنفيذ استراتيجية بن سلمان التنموية “رؤية 2030”. حتى لو أتى هذا على حساب العلاقة مع الغرب، بخاصة أن لا أحد في العالم يدرك حتى الآن الكيفية التي ستنتهي بها الأزمة بين روسيا والغرب، في أوكرانيا، أو أن يأتي وقت طال أم قصر تستأنف فيه إدارة بايدن مساراً بدأته إدارة أوباما، أن تحزم أميركا حقائبها وترحل من الشرق الأوسط إلى آسيا؛ لمواجهة الصين ودعم حلف شمال الأطلسي (الناتو) للتصدي لروسيا.
ناتو الشّرق الأوسط
بالقطع تفضل الولايات المتحدة أن تترك وراءها نوعاً من الترتيبات المتماسكة، على صعيد الأمن الإقليمي، في منطقة ذات أهمية استراتيجية حيوية كالشرق الأوسط؛ فدعت أخيراً إلى تشكيل “ناتو عربي – إسرائيلي” في المنطقة لمواجهة إيران بالدرجة الأولى والإرهاب، لكن هذا لا يجعل واشنطن حليفاً موثوقاً لأهل المنطقة، في ظل تنامي التحديات والأخطار الأمنية والاقتصادية والسياسية المحدقة.
في هذه المرحلة تدرك السعودية أهميتها الجيواستراتيجية التي حوّلتها إلى نقطة جذب عالمية؛ فليس بايدن وحده من سيزور السعودية، سبقه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وسيزورها الرئيس الصيني شي جينبينغ. وتلك فرصة ستغتنمها الرياض لفرض شروطها، ويمكن المجادلة على نحو مقنع بأن السعودية استوعبت موعظة ما جرى في أفغانستان، وتعمل على تعظيم قدراتها الذاتية وتنويع الجهات الضامنة لأمنها؛ بالنظر إلى حجم المخاطر الآتية؛ لذا تتعاطى بإيجابية مع الهرولة الأميركية تجاهها، لما تمثله من أهمية استراتيجية لا بديل منها حتى اللحظة، تتصرف الرياض من موقع قوة، وتترك الباب مفتوحاً لكل الساعين إليها، في عالم لم يعد محكوماً بسياسة القطب الواحد. إن بروز قوى عالمية جديدة على الساحة الدولية يسمح للرياض بتشبيك علاقاتها بما يتناسب مع مصالحها، ويعطيها مساحة من القدرة على اللعب على التباينات بينهم.
وإن كانت أوضاع الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط دفعت واشنطن إلى تملّق السعودية وتأكيد التزامها أمن المنطقة، فإن ذلك لا يعطي النهج السياسي الأميركي إزاء الخليج طابع الاستدامة، بل هو أقرب للاستغلال، ومن منظور استراتيجي، تقدم هذه الحوادث دليلاً آخر على التباعد بين واشنطن وحلفائها التقليديين في المنطقة، كل الاحتمالات واردة، ومسارات المستقبل سيحفر ملامحها مدى نجاح اللقاء المرتقب بين بن سلمان وجو بايدن بالرياض، لقاء قد يتسع لزعماء آخرين من دول الإقليم.
ADVERTISEMENT




























