بقلم: د علي القحيص
كاتب سعودي
نوري المالكي، بصفته رئيس وزراء العراق السابق، يعتبر شخصية مثيرة للجدل في تاريخ العراق الحديث. من خلال فترة حكمه (2006-2014)، ارتبط اسمه بالعديد من الاتهامات التي تتراوح بين الفساد السياسي، والانتهاكات لحقوق الإنسان، وصولًا إلى الاتهام بالتورط في عمليات تديرها الدولة العميقة والجريمة المنظمة. للحديث عن المالكي في سياق الدولة العميقة والجريمة المنظمة في العراق، يمكن النظر إلى عدة محاور مهمة.
1. الدولة العميقة في العراق:
الدولة العميقة هي عبارة عن شبكات من الفاعلين الذين يعملون خلف الكواليس لتحقيق مصالحهم السياسية والاقتصادية، غالبًا على حساب الديمقراطية أو العدالة. في العراق، يتهم البعض المالكي بأنه كان جزءًا من هذه “الدولة العميقة” التي تعمل على تحصين مصالحها الخاصة من خلال تحالفات مع أجهزة أمنية ومليشيات مسلحة، مما يعزز نفوذ الفئات القوية داخل الدولة بعيدًا عن سلطة القانون.
• الجيش والأجهزة الأمنية: يُعتقد أن المالكي حافظ على ولاء العديد من القيادات في الجيش والشرطة، والتي في كثير من الأحيان كانت تُستخدم لتعزيز سلطته الشخصية، وأحيانًا لتصفية خصومه السياسيين.
• المليشيات الطائفية: من المعروف أن المالكي كان قد دعم بعض المليشيات الطائفية الشيعية، مثل “عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله”، وهو ما جعل هذه المجموعات تتداخل مع هيكل الدولة. هذه المليشيات، والتي يمكن وصفها بـ”دولة داخل الدولة”، تمتع بدعم حكومي واسع النطاق في فترة المالكي، وارتبطت بممارسات العنف والترهيب.
2. الجريمة المنظمة والعلاقة مع المليشيات:
أثناء فترة حكم المالكي، تطورت ظاهرة الجريمة المنظمة في العراق بشكل لافت. هناك مزاعم بأن بعض الشبكات الإجرامية كانت تحصل على حماية من بعض الأطراف داخل الحكومة وأجهزة الأمن، ما يعكس غياب الرقابة الفعالة وتواطؤ بعض الشخصيات السياسية مع هذه الشبكات.
• تجارة الأسلحة والمخدرات: تُشير بعض التقارير إلى تورط بعض الأجهزة الأمنية، سواء في فترة المالكي أو بعد مغادرته، في عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود، بالتعاون مع مجموعات مسلحة من داخل العراق أو عبر الحدود.
• الفساد المالي: الفساد في العراق خلال فترة المالكي كان واسعًا، حيث تم استخدام المال العام بشكل غير قانوني، وشبكات من رجال الأعمال والأحزاب السياسية كانت تستفيد من هذه الأموال في صفقات مشبوهة. هذا الفساد قد يكون قد ساهم في تسهيل عمليات الجريمة المنظمة.
• الإفلات من العقاب: العديد من المعتقلين في السجون العراقية كانوا يتعرضون للتعذيب أو الاختفاء القسري دون محاكمات عادلة، بينما كانت مليشيات تتعاون مع بعض المسؤولين للحصول على تسهيلات أمنية في أنشطتها غير القانونية.
3. التورط في عمليات اغتيال واعتقالات سياسية:
أثناء تولي المالكي لمنصب رئيس الوزراء، يُتهم بأنه استخدم الأجهزة الأمنية في عمليات اغتيال سياسي واعتقالات تعسفية. وهناك شهادات تقول إن المالكي كان يقف وراء قمع المعارضة السياسية من خلال استخدام القضاء والأجهزة الأمنية لتصفية خصومه.
• المعارضون السياسيون: تم استخدام أجهزة الدولة لملاحقة المعارضين السياسيين، خصوصًا من الشخصيات السنية والعربية، عبر اعتقالات تعسفية واغتيالات. بعض من هذه العمليات تُتهم بأنها تمت تحت غطاء الدولة العميقة التي تسيطر عليها مصالح متشابكة مع القوى الطائفية.
• تصفية الحسابات الداخلية: المالكي كان يُعتبر خصمًا قويًا داخل حزب “الدعوة” الشيعي، ويقال إنه استخدم نفوذه في القضاء ووزارة الداخلية لتصفية خصومه داخل الحزب وكذلك في الأحزاب الشيعية الأخرى. هذا عزز من نفوذه الشخصي وحكمه الاستبدادي.
4. التأثير الإيراني والتهديدات الإقليمية:
خلال فترة حكم المالكي، كان هناك ارتباط وثيق بين العراق وإيران، وهو ما أثار الجدل في الدول العربية. إيران، التي دعمت المالكي بشكل غير مباشر، قد لعبت دورًا مهمًا في دعم المليشيات الشيعية في العراق. وهذا الدعم من إيران قد يفسر في بعض الأحيان تحولات سياسية وتاريخية في العراق لمصلحة قوى معينة على حساب آخرين.
• النفوذ الإيراني: بسبب هذا التأثير، يعتبر البعض أن المالكي كان يتصرف وفقًا لمصالح إيران أكثر من مصالح العراق الوطنية، ما قد يكون قد سهّل دخول شبكات الجريمة المنظمة الإيرانية والعراقية.
• التأثير الطائفي: كما ساعد هذا النفوذ في تعزيز الانقسامات الطائفية داخل العراق، وهو ما استخدمته بعض القوى السياسية في تقوية تحالفاتها مع المليشيات الطائفية، التي بدورها كانت تشارك في أعمال غير قانونية.
5. الانعكاسات السلبية على العراق:
ما يثار حول المالكي وعلاقته بالدولة العميقة والجريمة المنظمة يعكس نتائج سلبية على العراق في العديد من الجوانب:
• الاستقرار السياسي: ساهمت سياسات المالكي في زيادة التوترات الطائفية والانقسامات السياسية بين المكونات العراقية، حيث وجد العديد من العراقيين أن نظام المالكي كان يعتمد على القوة العسكرية والمليشيات أكثر من البناء الديمقراطي السليم.
• الفساد والتدهور الاقتصادي: بسبب سياسات المالكي وغياب الرقابة الفعالة، أصبحت بعض القطاعات الحكومية مركزًا للفساد، ما أدى إلى تفشي الفقر وتدهور البنية التحتية في البلاد.
• أزمة الأمن: تورط بعض أفراد الأجهزة الأمنية في الجريمة المنظمة وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ساهم في تقويض الثقة بين المواطنين والحكومة العراقية. كما كان لهذه الانتهاكات دور في تصاعد العنف في المناطق التي تسيطر عليها المليشيات.
من خلال حكم نوري المالكي، يمكن القول إن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الدولة العميقة والجريمة المنظمة في العراق. هذه البيئة تداخلت فيها المصالح السياسية والطائفية مع الفساد والانتهاكات الأمنية، مما أضر بمستقبل العراق وأدى إلى زيادة الانقسامات والصراعات الداخلية.
نوري المالكي أصبح أحد العوامل الأساسية في الانقسامات والصراعات الداخلية في العراق بسبب عدة سياسات وقرارات اتخذها خلال فترة حكمه التي أدت إلى تعزيز الانقسام الطائفي والتأثير السلبي على الوحدة الوطنية. لكن لفهم مصلحة من كان المالكي جزءًا من هذه الصراعات والانقسامات، يجب أن نأخذ في الاعتبار عدة عوامل تاريخية وسياسية في السياق العراقي:
1. الاستفادة الشخصية والسياسية:
أحد الأسباب الرئيسية لتمسك المالكي بالسلطة في العراق كان رغبته في تعزيز موقعه الشخصي والسياسي. خلال فترة حكمه، استفاد من تزايد النفوذ الشيعي في البلاد بعد سقوط نظام صدام حسين. كان المالكي جزءًا من الائتلاف الشيعي، وأدى إلى تعزيز سيطرة الطائفة الشيعية على مراكز السلطة في العراق، وهو ما منحه دعمًا واسعًا من بعض الجماعات الشيعية والمليشيات المرتبطة بإيران.
• النفوذ السياسي والشخصي: المالكي سعى للحفاظ على سلطته عبر تحالفات مع شخصيات من الطائفة الشيعية وبالأخص مع القوى المدعومة من إيران. من خلال ذلك، عزز من موقفه كرئيس وزراء.
• الإقصاء السياسي: في المقابل، كان المالكي يهمش خصومه السياسيين من الطوائف الأخرى، خاصة السنة، ما أدى إلى تزايد الاستقطاب الطائفي وزيادة العداء بين المكونات العراقية.
2. التأثير الإيراني:
من المعروف أن المالكي كان يحظى بدعم كبير من إيران خلال فترة حكمه. في الوقت الذي كان العراق يعاني من أزمة طائفية، كان النفوذ الإيراني في العراق يزداد بشكل كبير، وكان المالكي أحد الشخصيات التي تعزز هذا النفوذ في سياق سعي إيران لتعميق سيطرتها في المنطقة.
• الدعم الإيراني: إيران كانت تعتبر المالكي حليفًا أساسيًا لتحقيق مصالحها في العراق. هذا النفوذ الإيراني ساهم في تفاقم الانقسامات داخل العراق، حيث كانت بعض المليشيات الشيعية الموالية لإيران تعزز سيطرتها على الأراضي العراقية على حساب الأقليات مثل السنة.
• التوتر مع الدول العربية: العلاقة الوثيقة مع إيران خلقت توترًا في علاقات العراق مع بعض الدول العربية الخليجية، التي كانت ترى في هذه التحالفات تهديدًا للأمن العربي.
3. التهميش والإقصاء الطائفي:
كان المالكي يشجع سياسات تميزية تجاه المكونات السنية في العراق، وهو ما زاد من الشعور بالإقصاء وعدم المساواة بين مختلف فئات المجتمع العراقي. مع تزايد الضغوط على العراقيين السنة، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والتمييز الطائفي في المؤسسات الحكومية، ظهرت حركة احتجاجات واسعة في المناطق السنية، وهو ما أدي إلى تصاعد التوترات الطائفية.
• غضب السنة: تهميش السنة في الحكومة وفرض سياسات تنطوي على التفرقة كان له دور في تزايد العنف الطائفي والاشتباكات بين السنة والشيعة، ما جعل المالكي يتورط في تعزيز الاستقطاب الطائفي الذي سيطول تأثيره حتى بعد مغادرته المنصب.
• القمع والاعتقالات: المالكي استخدم أداة القمع ضد المعارضين السنيين، في حين أن العمليات العسكرية التي أُجريت في الأنبار والفلوجة أدت إلى تصعيد العمليات العسكرية والتمرد، ما ساهم في تفجير الوضع الأمني.
4. حكم الفردية وتفشي الفساد:
من خلال حكم المالكي، تركزت السلطة في يد رئيس الحكومة وحزب “الدعوة”، وهو ما أدى إلى حكم فردي، وخلق بيئة من الفساد السياسي والإداري. المالكي كان يستفيد من هذا النظام لتوجيه القرارات لمصلحته الشخصية وأتباعه. هذا النهج أسهم في إضعاف المؤسسات الحكومية وبروز الفساد المنظم في العديد من القطاعات.
• الفساد وتفشي الانقسامات: الفساد الداخلي في الحكومة العراقية في عهد المالكي ساهم في تفشي التوترات المجتمعية، حيث شعرت الفئات المختلفة في المجتمع العراقي بعدم العدالة، مما جعل الكثير من العراقيين يتجهون نحو الجماعات المسلحة أو التنظيمات الطائفية كبديل للمؤسسات الرسمية.
5. التحالفات العسكرية والمليشيات المسلحة:
عزز المالكي من سلطته من خلال التحالف مع المليشيات الشيعية المسلحة، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، التي لعبت دورًا كبيرًا في التأثير على الوضع الأمني في العراق. هذه المليشيات ساهمت في تعزيز الانقسامات الطائفية والعنف.
• العنف المنظم: هذه المليشيات، التي حصلت على دعم سياسي ومالي من حكومة المالكي، كانت تستخدم العنف والتهديدات لترسيخ قبضتها على الأرض. كما ساهمت في نشر حالة من الخوف والتشظي في المجتمع العراقي.
6. ضعف الدولة وهشاشتها:
تزايدت هشاشة الدولة العراقية في ظل حكم المالكي، ما جعلها عرضة للانقسامات والتمزق الداخلي. غياب سيادة القانون وضعف القضاء، بالإضافة إلى تزايد الفساد، ساعد في تفكيك الدولة العراقية وزيادة الفجوة بين مختلف المكونات الاجتماعية.
مصلحة من كان المالكي عاملاً رئيسياً في الانقسامات؟
يمكن تلخيص مصلحة من استفاد من الانقسامات التي حصلت في العراق في فترة حكم المالكي في النقاط التالية:
1. المالكي نفسه: كان المالكي يسعى لتعزيز سلطته الشخصية في العراق، ومن خلال السيطرة على الأجهزة الأمنية والمليشيات، استطاع ضمان بقاءه في الحكم وتحقيق مصالحه الخاصة.
2. إيران: الدعم الإيراني المباشر كان يعزز من موقف المالكي ويدعمه سياسيًا في مواجهة القوى السنية، ما ساعد إيران على تعزيز نفوذها في العراق.
3. المليشيات الشيعية: هذه الجماعات المسلحة كانت جزءًا من الكيانات التي استفادت من الوضع الأمني المضطرب، حيث حصلت على مزيد من الدعم والشرعية من الحكومة المالكية، مما عزز قبضتها على بعض المناطق في العراق.
4. أطراف سياسية شيعية أخرى: مثل حزب الدعوة وبعض القوى السياسية الشيعية الأخرى التي كانت تستفيد من الحفاظ على حكم المالكي وتقوية الطائفة الشيعية في السلطة على حساب الطوائفى
نوري المالكي كان يعمل في سياق معقد من القوى السياسية والطائفية التي كان لها مصالح خاصة في تعزيز الانقسامات داخل العراق. سواء من خلال التمكين للطائفة الشيعية، أو التحالف مع إيران والمليشيات المسلحة، أو عبر سياسة الإقصاء والتمييز ضد السنة، كان المالكي يشكل عنصراً مهماً في تأجيج الصراعات الداخلية التي لا تزال تعاني منها العراق حتى اليوم.


























